آخر تحديث: 26 / 6 / 2026م - 11:04 م

فاشلون ومَهَرَة

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

الإداريون التقليديون في أقسام التوظيف بالشركات المختلفة يضعون شروطا ومتطلبات لا تعبر في بعض الأحيان إلا عن جهل حقيقي لطبيعة هذه الوظائف والمهارات اللازمة لإتمامها، الشهادة الجامعية كمتطلب أساسي هي أحيانا من هذا القبيل، فهذه الشهادة لا تعبر عن سعة العلم بالضرورة كما لا يعبر عدم وجودها عن الجهل في كل الحالات، فالإنسان قد يمتلك كثيراً من العلوم والمواهب غير الموثقة بشهادات، وبالنتيجة فإن العقل التقليدي لا يستطيع أن يؤمن بها كأدوات إنتاج مبدعة قادرة على تقديم أسباب النجاح والتفوق، وهذا بلا شك يُفوِّت على المنظمة كثيراً من المنافع المهمة التي قد يقوم بها هؤلاء حال انضمامهم إلى الشركات.

في اعتقادي أننا نعيش في الوقت الراهن زمن «المهارات»، أقصد بهذا المصطلح هو «الفن» الذي يمكن صاحبه من أداء وظيفته بكل اقتدار، اكتساب هذه المهارات له قنوات كثيرة في ظل توفر أدوات التعليم المختلفة، هناك كم هائل من الدورات التدريبية والمحاضرات العلمية الموجودة في الإنترنت مجانا وغير ذلك، في ظل ذلك هناك من الشباب من انصرف بذهنه وجهده لتطوير نفسه، فأصبح طاقة تصل أحيانا إلى مستوى العبقرية، أشخاص كهؤلاء وحينما تمنعهم الظروف من إتمام دراستهم الأكاديمية لا سيما الجامعية تحديداً فإن النظرة إليهم عادة تكون نظرة انتقاص علمي في حين أن بعض هؤلاء بذل من الجهد في تطوير مستواه العلمي والمهاري ما جعله أعلى من كثير من الأكاديميين، الحل كما أرى هو تقييم الوظائف وتحديد ما تحتاج إليه من مهارات واختبار المتقدم بحيث تكون القدرة على أداء الوظيفة بمستوى الجودة المطلوبة هو الهدف وليس شهادة جامعية قد لا تكون دليلاً على القدرة والكفاءة الوظيفية فيما بعد.

الصدف جمعتني بمواهب فذة من شبابنا السعودي الذين وقفتْ في سبيلهم الظروف فمنعتهم من إتمام دراستهم الجامعية، فعلياً لا يحمل هؤلاء «ورقة» الشهادة الجامعية بينما يحملون من المواهب ما أستطيع أن أصفه بالمذهل، معاناتهم دائماً واحدة، وهي أن الفكر الإداري السائد في كثير من الشركات لا يريد أن يؤمن بهم كمبدعين وبالنتيجة لا يريد أن يمنحهم حتى الفرصة للاختبار والتقييم، ما أعتقد أن على أي إداري فعله; هو عدم إغلاق الأبواب تجاه المتقدمين والتأكد من قدراتهم قبل الجزم بأنَّهم غير صالحين للعمل، ولو تم عمل ذلك فلا شك سيجد هذا الإداري نفسه أمام مجموعة من المبدعين الذين في انضمامهم قيمة كبيرة لشركته.

قدم التاريخ لنا كثيراً من العظماء الذين لم يحملوا شهادات أكاديمية عالية في حين ساهمت إنجازاتهم العلمية في خدمة البشرية، أديسون هذا العالم الذي يحمل أكثر من ألف اختراع كان أحد الفاشلين دراسياً فيما العالم بأسره يقطف ثمار عبقريته، داروين وأنشتاين هما كذلك من هذا النوع وغيرهما كثير، هؤلاء بلا شك لن يمنحهم هذا الإداري التقليدي فرصة العمل في منظمته لأنه يعجز عن إدراك أن الشهادة ليست كل شيء، بينما من يؤمن بالموهبة والمهارة سيكون أكثر من يلتقط هؤلاء ويحترم إبداعاتهم وكفاءاتهم.