آخر تحديث: 26 / 6 / 2026م - 11:04 م

تلويث الفطرة والطريق إلى الإرهاب

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

أستطيع أن أدعي أن الطفولة تمثل ببراءتها أرقى مستويات التعايش والسلم، تغيير هذه الطبيعة وتحويل الإنسان إلى شخص عدائي كمرحلة أُولى من مراحل تحويله إلى إرهابي تكون عادة من خلال زرع قناعات منحرفة بحيث يتحول الإرهاب إلى عقيدة يتقرب بها هذا الشاب إلى الله سبحانه وتعالى، انطلاقاً من ذلك فإنَّ أولى مراحل صناعة المجتمع الآمن هو صناعة الفكر القائم على الحب والخير واحترام التعددية الفكرية والدينية بحيث لا يرى الناس أي غضاضة أو حساسية في الاختلاف، والوقوف كمرحلة موازية لذلك ضد دعاة الفتنة والتباغض ومنعهم ولو بالقوة من الاستمرار في تلويث المجتمع.

وأنا أُشاهد وصايا الإرهابيين الذين قتلوا المصلين في حادثتي القديح والكويت لاحظت كيف أن هؤلاء يعتقدون وبضرسٍ قاطع أن مصيرهم بعد الانتحار وقتل المصلين هو رضا الله سبحانه وتعالى والفوز بجنانه، هؤلاء المغرر بهم وعلى قبح ما فعلوه إلا أنَّني أعتقد أن الأشد منهم قبحاً هو ذلك المصدر الذي التقطهم أحداثاً وصغارا وبدأ في حلقات ترسيخ الحقد والكراهية في قلوبهم ليكبروا وهم لا يعرفون كيف سُلبت إرادتهم وأصبحوا أدوات حقيقية في يد الإرهاب، ربما يكبر هذا الطفل ليُصبح في ظاهره معتدلا أو حتى منحرفا عن الدين، غير أن شوائب التضليل والتعبئة الفكرية تجعله في بعض المناسبات يقف موقف الداعم للإرهاب أو غير المُدين له في أفضل الحالات.

قدم برنامج سيلفي للفنان المبدع ناصر القصبي حلقة مهمة حول الكراهية حينما صوَّر الشخصيتين الأساسيتين في الحلقة: يزيد بن عمرو وعبدالزهرا عبدالنبي حسين، وقد جمعهما الانحراف وفرَّق بينهما الدين، ما أراد القصبي في جزءٍ من الحلقة إيصاله هو أن «الإنسان» وبغض النظر عن التزامه الديني فهو واقع لا محالة في فخ الكراهية والتعبئة الفكرية والترويج المضلل السائد وبالنتيجة فإنَّ التدين ليس شرطاً في الكراهية، وحيث إن كلا الطرفين أدركا فيما بعد أن التاريخ الإسلامي وبعض المشكلات التي جرت فيه لم يكن لهم الخيار في وقوعها فإنَّهم أدركوا أن الاستغراق في اجترار التاريخ والتركيز على مواضع الخلاف وإجبار المختلفين على الاتفاق هو مسألة عبثية لن تقود إلا لحروب وأحقاد يشاهدها أعداؤنا عن بعد وهم يضحكون ويتهكمون علينا.

الأدوات الفكرية التي من شأنها تغيير الفطرة الآدمية لدى الإنسان وتحويله إلى إرهابي هي كما أعتقد أشد الأدوات فتكاً بالمجتمعات، والقضاء عليها في مهدها من خلال إيقاف دعاة الكراهية هو ما سيوفر علينا عبء مواجهتها المسلحة فيما بعد، الإرهابي كان يوما ما طفلا يلعب مع الجميع دون أن يرى في ذلك غضاضة، وحينما أصبح بعد ذلك إرهابيا وقاتلا فإنه مر بكثير من أصحاب الفكر المنحرف الإقصائي والحاقد على البشرية الذي أسهم في صناعته والتغرير به، فالقضية برمتها فكرية، لذا فحينما يجد دعاة الكراهية المجال مفتوحا ليشركوا في دعائهم بالإبادة وأثناء صلاة الجماعة جميع من يخالفهم فلا شك أن الأتقياء من خلفهم سيكونون أكثر حماسا لنيل رضا الله سبحانه وتعالى وإيذاء المختلفين معهم ولو بأفضل الإيمان وهو قتل الصائمين المصلين كما صُوِّر لهم ذلك، دعونا إذن في عالمنا الإسلامي نساهم في صناعة فكر يحترم الإنسانية، لننسى في المستقبل لا محالة أن تقيا ورعا قتل في يوم ما المختلفين معه قربة إلى الله تعالى وبحثا عن رضاه.