آخر تحديث: 26 / 6 / 2026م - 11:04 م

العدو الحقيقي

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

من الناس مَنْ يتحدث عن الطائفية، وتداعياتها الخطيرة، وكان آخرها تفجير مسجد الإمام الصادق في الكويت، بصفتها مشكلة نابعة من صميم المعتقدات التي تحملها المذاهب الإسلامية، وبالنتيجة فإنَّ الحديث عن حل هو حديث عن تنازلات، عن موارد الخلاف، التي تسبِّب كل تلك الحساسية بينهم، في حين يعتبر هذا الحل مصادرة لحق فئة في حرية المعتقد والرأي، وهذا ما لا ترضى به أي جهة، وبالنتيجة فإنَّ هذا الحل غير منطقي، وهو ضرب من الخيال، هذا الرأي الذي كرره، ويكرره كثيرون دائماً، هو كما أراه لب المشكلة، لأنه يستبطن إجازة، أو إيجاد عذر لمَنْ قام بهذه الأعمال الإرهابية بداعي أنَّ الطرف الآخر يخالفنا في أساس من صميم العقيدة، ولذا فإن استهدافه بأي طريقة كانت، هو نتيجة طبيعية لمعتقداته، وهو وارد في كل وقت. الصحيح كما أعتقد أنَّ مشكلة الطوائف في شتى بلدان العالم هي مشكلة نابعة من القانون كوجود، وفي قدرته على إيقاف كل جهة عند النقطة التي يعتبر ما بعدها تجاوزاً لحرية الآخرين، وتعدياً على حقوقهم، التي كفلها لهم هذا القانون.

النماذج الناجحة للتعايش السلمي بين الطوائف في العالم كثيرة، على الرغم من وجود اختلافات تصل إلى حد التناقض التام بينهم، هذه النماذج لم تتجاوز المشكلة بالقضاء على أصل الاختلاف، لأنها أدركت أنَّ ذلك يتنافى مع المنطق أولاً، ومع حرية الناس في المعتقد والرأي ثانياً، ما قامت به باختصار هو أنها وضعت قانوناً يُعرِّف الجميع بأنَّ تغريدةً مسيئة، أو خطبة تحريضية على منبر عام ضد طائفةٍ، ستجعل صاحبها يعاقب عليها بأقصى عقوبة، وبالنتيجة لا تجد لذلك أي وجود على أرض الواقع، ربما هذا الخطيب، أو الأستاذ الجامعي، أو المغرِّد، يعتقد في قرارة نفسه أنَّ الفئة الأخرى هي شر مَنْ وطِئَ الحصى، وأنهم الذين لا ينامون الليل إلا وهم يكيدون له، وكأنَّهم متفرغون، ولا يملكون ما يصنعونه في حياتهم إلا هو، هذا الشخص اعتقدَ بمثلِ ذلكَ، أم لم يعتقد به، فإنَّ عليه أن يلتزم بالقانون، حينذاك فقط ستتعاقب أجيال تنسى لغة الكراهية تدريجياً، وستكون أكثر قناعة بأنَّ الدين هو علاقة بين الإنسان وخالقه، وهو وحده مَنْ سيحاسبهم جميعاً يوم غد، دون أن تحمل فئة وزر الفئة الأخرى.

ليست مشكلتنا في البلاد الإسلامية بين الشيعة والسنة، وليست في مَنْ تسبَّب بكل هذه التفجيرات، وقتل، واستهدف الشيعة، ومن قبلهم السنة. هو الاختلاف الفقهي، أو العقدي بينهما، ربما مَنْ يقوم بالتفجير يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بذلك، ولكن المشكلة في أساسها هي وجود أصوات تساهم في صناعة مَنْ يعتقد بأنَّ مصيره الجنة حينما يقوم بقتل مسلمين في نهار شهر رمضان، وفي يوم الجمعة، وهم صائمون، ويتشهدون الشهادتين، ويصلون، ويحجون، ويزكون.

الشيعة ليسوا أعداء السنة، كما أنَّ السنة ليسوا أعداء الشيعة، العدو الحقيقي لهما هو مَنْ يحاول أن يقنع كلا الطرفين بأنَّهما أعداء بعض، ونجاحه في ذلك على الأرض هو مزيد من الدماء، والتفجير في المساجد، والعمليات الإرهابية تالية للقناعات، فلنبحث إذن عمَّن يبث هذه القناعات لنعرف عدونا الحقيقي، ومَنْ يريد ببلادنا السوء.