القبول المشروط
يبحث الشخص السلبي عادةً عن كل ما يبرر الواقع المتخلف من حوله، أما الحلول فلا يكاد يقترب منها، أو أنَّه يضع حلولاً مستحيلة التحقق بحيث يثبت لنفسه أولاً وللآخرين أن لا سبيل للتقدم إلى الأمام ولو لخطوة واحدة، على المستوى الديني والمذهبي، فإنَّ أي حديث متعالٍ يظن أصحابه أنهم يمتلكون مفاتح الجنة ويضعون «تغيير الآخر» كشرط للقبول به هو حديث تعجيزي محكوم عليه سلفاً بالفشل، لذلك فأي محاولة تسعى لذلك هي تسعى في المقام الأول إلى عدم القبول بالآخر.
يقول ديفيد بن غوريون أول رئيس إسرائيلي: «إن قوتنا ليست في سلاحنا النووي؛ قوتنا في تفتيت ثلاث دول كبيرة من حولنا، العراق وسوريا ومصر، وبهذا الترتيب، إلى دويلات متناحرة على أسس طائفية ودينية. ونجاحنا في هذا الأمر لا يعتمد على ذكائنا، بقدر ما يعتمد على جهل وغباء الطرف الآخر»، أقسى ما في هذه الكلمة هو مقطعها الأخير، في تصوري أن أكثر ما نعاني منه كشعوب إسلامية على المستوى الفكري هو وجود نماذج منشغلة في صناعة عداوات طائفية وترسيخ هذه الحالة في أذهان أتباعها، بحيث لا تجد محلاً لتنمية الذات والبحث عن الرقي العلمي والثقافي في منابرها أبداً، ما يخرج به هذا المتلقي هو فقط كمية كبيرة من الحقد والدعاء بأن يُجَمِّد الله الدم في عروق المختلفين معه وأن يبيدهم من هذا الوجود، في ظل وجود حالة كهذه. ماذا ترانا سنصبح؟!، لا شك هو مزيد من التخلف والتقهقر والعودة إلى الوراء.
ما نحتاج إليه في عالمنا الإسلامي هو أن تكون لدى المجتمعات حالة من الرفض لأي نموذج يحاول بطريقة أو بأخرى نشر العداء الطائفي بين الناس، ليكن الجميع كما يحبون في مذاهبهم وأفكارهم، وليتم ترسيخ مساحة في الأذهان تفترض أن الدين والمذهب والفكر أمور شخصية ليس لأحد أن يفرضها على الآخر بالإكراه أو حتى أن يشترط عليه شروطاً ما للقبول به.
كل مَنْ يُسيء علناً وبأي طريقة كانت لطائفة أو لقبيلة من مكونات الوطن هو عدو له ولا يُريد له الخير، ربما لا يُدرك هذه الحقيقة، ولكنه من حيث يريد أو لا يريد يفتت الجسد المترابط ويخدم أعداءنا والمتربصين بنا، إلقاء اللوم وبشكل مستمر ليل نهار على الأعداء لن يغير واقعنا في شيء، مشكلتنا أنَّ البعض لا يريد حتى أن يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام ويتعظ من الفتن التي تعصف بالبلدان المجاورة ليقول ولو للدائرة المحيطة به: إن صلاحنا في وحدتنا وترابطنا ورفضنا لأي دعوة للطائفية والعداوة بين الناس.
مثلما أكد ديفيد بن غوريون أنَّ قوة كيانه المغتصب ليست في سلاحه النووي، بل في نشره للطائفية بين الشعوب، يصح لنا جميعاً الادعاء بأنَّ سلاح دفاعنا الأول ليس كذلك في أي سلاح فتَّاك نملكه، بل في صناعة ثقافة تنبذ الطائفية وتؤكد وحدة الصف والوقوف في وجه أي نموذج يدعو بأي طريقة كانت إلى العداوة بين المواطنين، حينما نحقق ذلك سنكون أكثر إقبالاً على رفض الخطاب الطائفي والوقوف في وجه دعاته، الذين لن يجدوا آذاناً صاغية لهم في مشروعهم لإفساد مجتمعنا.













