بدون ثوم من فضلك
شهدت كثيرًا من المناظرات والآراء والنقاشات، لكنني لم أتوقع أن يبلغ نقاشٌ هذا القدر من الجدية بسبب ساندويتش شاورما، وأن يصبح افتتاح مطعم في أحد الأحياء مناسبة لاختبار مفاهيمنا عن الذائقة والرقي والملاءمة الاجتماعية.
لعل للشاورما، من حيث لا تدري، فلسفة تستحق التأمل. فهي تدور حول سيخها بثبات، ثم تجمع في رغيف واحد مكونات متعددة، لكل منها مذاقها وخصوصيتها، من دون أن تطلب منها التخلي عن اختلافها. لا تسأل زبونها عن عنوان منزله، ولا تتحقق من رصيده المصرفي قبل أن تمنحه وجبة تشبعه وتسعده. إنها وجبة شعبية عابرة للطبقات، لا تحتاج إلى بطاقة تعريف اجتماعية كي تحظى بالقبول.
ومع ذلك، بدا من الجدل الدائر أن الشاورما مطالبة، قبل أن تستقر في بعض الأحياء، بإثبات ملاءمتها للمكان. كأن عليها أن تقدم سيرة ذاتية، وربما توصية من مطعم أكثر وجاهة!
هنا لا يعود السؤال عن جودة الطعام أو تنوع الخيارات، بل عن تلك النظرة التي تمنح الأشياء قيمتها وفق عنوانها، وتخلط بين الذوق الشخصي والمكانة الاجتماعية.
واللافت أن الطعام، في الأصل، من أكثر الأشياء قدرة على تقريب المسافات؛ فحول مائدة واحدة تتجاور الحكايات، وتخفّف اللقمة المشتركة صرامة الفوارق التي نصنعها خارجها. وليس مطلوبًا من كل حي أن يحتضن كل نشاط تجاري؛ فهناك اشتراطات تنظيمية واعتبارات تخطيطية تُحسم بمعايير واضحة. أما تحويل المسألة إلى مفاضلة بين ما يليق بأناس وما لا يليق بآخرين، فذلك باب آخر؛ باب يجعل من الذائقة الخاصة قانونًا عامًا.
أتذكر يومًا في لندن، كنت على عجل، فتوقفت عند كشك صغير واشتريت قهوة بنحو يوروين، ومضيت مستمتعة بيومي. وفي اليوم نفسه، التقيت صديقة في مقهى باهظ الثمن، واستمتعت بالقهوة واللقاء أيضًا.
لم تنتقص بساطة الكشك من متعتي، ولم تمنحني فاتورة المقهى ترقية اجتماعية.
هذه ليست دعوة إلى التقليل من الفخامة، ولا إلى إنكار اختلاف الأذواق؛ فمن حق كل إنسان أن يختار ما يلائمه، وأن يبحث عن الجودة حيث يجدها. لكن جودة الحياة لا تُقاس بارتفاع الفاتورة، ولا برفعة عنوان المكان وحدهما. إنها تتسع لخيارات متعددة، ولتفاصيل يومية صغيرة تمنحنا المتعة من دون أن نحولها إلى استعراض للقدرة على الإنفاق.
أما أنا، فإذا طلبت شاورما، فلا أحتاج إلى تصنيف ولا نقاش.. طلبي بسيط: بدون ثوم من فضلك.












