آخر تحديث: 8 / 11 / 2026م - 3:23 م

بين الحق والباطل

أحمد منصور الخرمدي *


الحق واضح كالشمس في وضح النهار، وكما يُشار إلى الحق بالأبيض والباطل بالأسود، فالصمت أحيانًا يكون حكمة وتعقلًا وثباتًا لا ضعفًا؛ وقد يكون في الكلام أو إبداء الرأي ضرر، ولا سيما إذا لم يكن للإنسان ما يساعده ويوصله إلى الحقيقة. غير أن الصمت لا يكون حكمة في جميع الأحوال؛ فقد يتحول إلى تقصير حين تتضح الحقيقة ويصبح السكوت سببًا في إخفائها أو ضياع الحقوق.

ومن هنا، فإن التمييز بين الحكمة في الصمت وواجب قول الحق يحتاج إلى التروي وحسن التقدير. ويُقال في المثل العربي الشهير: «الحق أبلج، والباطل لجلج»، أي إن الحق واضح وجلي لا خفاء فيه، بينما الباطل غامض ومضطرب وغالبًا ما يكون ملتبسًا. وقد ورد هذا المعنى في بيت شعري يُستشهد به:

ألم ترَ أن الحق تلقاه أبلجا... وأنك تلقى باطل القوم لجلجا.

الحق والباطل ضدان، فالحق هو الصحيح الثابت الذي ينبغي الاعتراف به والتمسك به، أما الباطل فلا ثبات له، ولا ينبغي أن يكون له سلطان على حياة الناس ومواقفهم. قال تعالى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الشورى: 24]، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81].

وعندما نواجه قضيةً أو موقفًا يستدعي إبداء الرأي، فإن الواجب يقتضي النظر في جوانبه وتحليلها بتروٍّ ورجاحة عقل. فليست جميع المواقف على درجة واحدة من الوضوح؛ بعضها تتجلى فيه الحقيقة، وبعضها تكتنفه الضبابية وتختلط فيه الوقائع بالظنون. ومن الحكمة ألا يتعجل الإنسان الحكم فيما لم تتبين له حقيقته، وألا يجعل من قلة المعرفة أساسًا لموقف قد يظلم به الآخرين.

وقد يسمع الإنسان اتهامًا بحق شخص آخر، فيجد نفسه أمام خيارين: أن يردد ما سمعه دون تثبت، أو أن يتريث حتى تتضح الوقائع. وهنا يكون الصمت أقرب إلى الحكمة، بينما يصبح قول الحق مسؤولية إذا امتلك ما يثبت الحقيقة ويمنع وقوع الظلم.

أما إذا اتضحت الحقيقة، فإن الشجاعة تقتضي التمسك بها والتعبير عنها بصدق ومسؤولية، بعيدًا عن المصالح والأهواء. فصاحب العقل المتبصر والرؤية السديدة يحرص على أن يكون كلامه موثوقًا عند الناس، وألا تتناقض مواقفه مع ما يؤمن به من مبادئ وقيم.

وقد حذر الإسلام أشد التحذير من السكوت عن قول الحق أو تزييفه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 283].

وحذر كذلك من خلط الحق بالباطل؛ إذ قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42].

وهكذا، فإن قول الحق لا يعني التسرع في إصدار الأحكام، كما أن الصمت لا يعني دائمًا التخلي عن المسؤولية. فالحكمة أن نصمت حين نجهل، وأن نتثبت حين نشك، وأن نقول الحق حين نعلم، دون أن تدفعنا المصالح أو الأهواء إلى تزييف الحقيقة أو كتمانها. فالحق لا يحتاج إلى كثرة الكلام بقدر ما يحتاج إلى صدق الموقف وثبات المبدأ.