آخر تحديث: 8 / 11 / 2026م - 3:23 م

قصة كوميدية بطعم الحمية «14»

أبو علي... والميزان الذي أفسد فرحة الانتصار!

رضي منصور العسيف *


خرج أبو علي من عيادة التغذية بخطواتٍ مختلفة عن تلك التي دخل بها.

دخلها وهو يتوقع قائمةً طويلة من الممنوعات، ومحاضرةً في فنون الحرمان!

وخرج منها وهو يحمل فكرةً واحدة تدور في رأسه:

”لا تبحث عن حمية تستطيع تحمّلها لأسابيع... ابحث عن أسلوب حياة تستطيع الاستمرار عليه سنوات“.

ظل يردد العبارة وهو يمشي...

حتى وجد نفسه، من دون تخطيط، أمام المخبز!

توقف.

نظر إلى الباب.

ثم إلى الكيس الذي يحمله أحد الزبائن الخارجين.

ثم عاد ببصره إلى المخبز.

وقال في نفسه:

— سبحان الله... يبدو أن القدر يريد اختبار الهدنة بسرعة!

ابتسم ودخل.

مفاوضات داخل المخبز!

وقف أبو علي أمام أرفف الخبز.

وهناك...

بدأت المفاوضات!

الخبز الأبيض في جهة، وكأنه يبتسم له ابتسامة الصديق القديم:

— أهلًا أبا علي... اشتقنا إليك!

وفي الجهة الأخرى، كان خبز النخالة يلوّح له بهدوء.

وبجانبه خبز البر، وكأنه يغمز له قائلًا:

— نحن هنا أيضًا!

تنقّل بصر أبي علي بينها.

مدّ يده نحو الخبز الأبيض...

ثم توقف فجأة.

تذكر حديث أخصائية التغذية عن الاختيارات الأفضل، والحبوب الكاملة، والألياف.

فسحب يده وقال:

— لا يا حبيبي...

لقد انتهت أيام القرارات العاطفية!

ثم وقف محتارًا بين خبز البر وخبز النخالة.

نظر إلى هذا...

ثم إلى ذاك...

وكأن كل واحد منهما رفع يده في الانتخابات الغذائية هاتفًا:

— اخترني أنا!

أغمض أبو علي عينيه ومدّ يده.

تحسّس أحد الأكياس.

فتح عينيه...

فإذا بيده تمسك بكيس خبز النخالة!

ابتسم وقال:

— اختيار جيد!

ثم التفت إلى خبز البر وقال معتذرًا:

— لا تزعل يا صاحبي... إذا لم يحضر الأخ نخالة يومًا، فأنت البديل!

حمل الكيس واتجه نحو المحاسب.

لكن قبل أن يصل...

سمع أصواتًا خفية تناديه:

— أبا علي...

أبا علي...

نحن نحبك!

توقف.

نظر إلى يمينه.

قسم المعجنات!

فطيرة الزعتر...

وفطيرة الجبن...

وفطيرة اللبنة...

كلها مصطفّة أمامه في مشهد يحتاج إلى قلبٍ قوي وإرادةٍ أشد!

سال لعابه.

وامتدت يده قليلًا نحو فطيرة الزعتر.

ثم قال في نفسه:

— واحدة فقط...

ثم نظر إلى فطيرة الجبن:

— وربما هذه معها، حتى لا تشعر الأولى بالوحدة!

ثم وقعت عيناه على فطيرة اللبنة:

— وهذه... لا يصح أن نتركها وحيدة أيضًا!

وفجأة انتبه إلى نفسه!

سحب يده وقال:

— لا...

لن أبدأ الهدنة بمخالفة!

ثم لوّح للمعجنات قائلًا:

— وداعًا يا جماعة...

نلتقي في ظروفٍ أفضل!

خرج من المخبز يحمل كيس خبز النخالة.

وكان سعيدًا بانتصاره الصغير.

حتى خُيّل إليه أن الرغيف يقول له:

— أحسنت الاختيار يا أبا علي...

من اليوم لسنا أعداء!

قال أبو علي مبتسمًا:

— بشرط ألا تحضر أبناء عمومتك من المعجنات دون موعد!

- - -

على مائدة الغداء... أين اختفى اللحم؟!

دخل أبو علي المنزل.

استقبلته أم علي، وما إن رأت كيس الخبز في يده حتى اتسعت ابتسامتها.

قالت:

— ما شاء الله!

خبز؟!

هل تصالحتما أخيرًا؟

رفع الكيس وقال:

— ليست مصالحة كاملة...

إنها هدنة قابلة للتجديد!

ضحكت أم علي:

— قلت لك من البداية... الخبز ليس عدوك.

قال أبو علي:

— سأجرّب برنامج الأخصائية شهرًا كاملًا، وبعدها نحكم على النتيجة.

قالت:

— ممتاز. ذهابك إلى عيادة التغذية كان قرارًا صحيحًا. استمر، وستجد الفرق بإذن الله.

وضع أبو علي يده على بطنه وقال:

— حسنًا...

الآن انتهينا من الكلام الجميل!

هل الغداء جاهز؟

قالت:

— جاهز. اذهب وبدّل ملابسك، واغسل يديك، وستجد المائدة في انتظارك.

عاد بعد دقائق.

جلس أمام المائدة.

نظر إلى طبق الأرز، وقد زُيّن بالخضراوات.

أخذ يقلّب الخضراوات بملعقته...

يمينًا...

يسارًا...

ثم رفع بعضها.

راقبته أم علي وقالت:

— ماذا تبحث عنه؟

قال بجدية:

— هناك شخص مفقود في هذه المائدة!

— من؟

قال:

— اللحم!

ضحكت وقالت:

— نسيت النقرس؟

ضرب أبو علي جبهته بخفة:

— آه... النقرس!

ثم قال برجاء:

— لكن قطعة صغيرة ربما لا تضرني.

قالت:

— قطعة صغيرة فقط، بما يناسب تعليماتك.

ثم وضعت له قطعةً صغيرة من اللحم.

حدّق فيها طويلًا.

ثم رفع رأسه وقال:

— فقط هذه؟!

هذه لا تكفي طفلًا عمره سبع سنوات!

قالت أم علي:

— تناول غداءك يا أبا علي...

هذه خطتك، ويمكننا التنويع في مصادر البروتين بما يناسب حالتك.

نظر إلى قطعة اللحم مرةً أخرى وقال:

— واضح أنها تحتاج إلى عدسة مكبّرة!

فضحكت أم علي.

أما أبو علي، فقد بدأ يتناول غداءه، وهو يكتشف أن الوجبة المتوازنة لا تحتاج إلى أن يكون اللحم بطلها الوحيد!

- - -

عشرة أيام من المفاوضات!

مرّ أسبوع...

وأبو علي ملتزم بخطته التزامًا أدهش حتى أم علي.

لم يعد يعلن الحرب على صنفٍ من الطعام كل صباح.

ولم يعد يقف أمام الثلاجة ليبحث عن ضحيةٍ جديدة!

كان يأكل وفق خطته، ويراقب الكميات، ويحاول أن يكون أكثر وعيًا باختياراته.

وفي بعض الأوقات كان يشعر بالجوع، فيراجع ما تناوله، ويختار ما يناسب خطته بدلًا من أن يعود إلى التجويع القاسي.

وبعد صلاة المغرب، وحين تسمح له حالة قدمه، يخرج للمشي.

أصبح الطريق رفيقه...

والخطوات جزءًا من يومه.

وحين يعود إلى المنزل، تمرّ به أحيانًا لحظة ضعف.

يقف أمام الثلاجة...

يمدّ يده نحو المقبض...

ثم يتوقف.

وينظر إليها قائلًا:

— لا تحاولي...

لقد وقّعنا اتفاقية سلام!

ثم يبتعد وهو يبتسم.

- - -

مفاجأة الميزان!

وبعد عشرة أيام...

استيقظ أبو علي وهو يشعر أن ملابسه أصبحت أكثر راحة.

وقف أمام المرآة.

دار قليلًا إلى اليمين...

ثم إلى اليسار...

وشدّ ثوبه عند البطن وقال:

— هناك شيء تغيّر...

أنا متأكد!

ثم فكّر في الميزان.

قال في نفسه:

— لماذا أنتظر شهرًا كاملًا؟

سأذهب إلى العيادة...

زيارة سريعة فقط!

أريد أن أعرف ماذا حدث.

وفي الطريق، بدأ يتخيّل لقاءه بأخصائية التغذية.

ماذا لو كان وزنه قد نزل كثيرًا؟

ابتسم.

تخيّل نفسه يدخل عليها فتقول:

— ما شاء الله يا أبا علي!

فيقول بتواضعٍ مصطنع:

— الحمد لله... الالتزام يا دكتورة!

ثم تخيّل الميزان يعرض رقمًا مذهلًا.

قال:

— ربما 115...

ثم سكت.

— أو 114!

ثم هز رأسه:

— لا يا أبا علي... لا تبالغ!

وصل إلى العيادة، وطرق الباب.

سمع صوتها:

— تفضّل.

دخل مترددًا وقال:

— السلام عليكم... آسف، حضرت من دون موعد.

ابتسمت الأخصائية:

— وعليكم السلام. أهلًا يا عم أبو علي، لا بأس.

ثم سألته:

— كيف حالك مع الخطة؟

جلس وقال:

— حرب ضروس!

ثم صحّح عبارته سريعًا:

— عفوًا...

نحن اتفقنا ألّا نسميها حربًا.

دعينا نقول: مفاوضات شاقة!

ضحكت وقالت:

— وهل أنت ملتزم؟

رفع رأسه بفخر:

— مئة في المئة!

ثم نظر إلى الميزان وقال:

— هل تسمحين لي أن أصعد؟

— تفضّل.

تقدّم أبو علي نحو الميزان بثقة.

هذه المرة لم يخاطبه...

ولم يهدده...

فقد كان واثقًا أن المفاجأة ستكون سعيدة.

صعد.

انتظر.

ظهرت الأرقام على الشاشة...

118 كيلوجرامًا!

تجمّدت ابتسامته.

حدّق في الشاشة.

اقترب قليلًا، وكأن الرقم قد يتغير إذا نظر إليه من زاوية أخرى!

ثم قال:

— فقط؟!

كيلو واحد؟!

نزل من الميزان وقطّب حاجبيه.

— عشرة أيام كاملة...

تركت الحلويات...

وقاومت المعجنات...

وصرت أمشي...

وعدت إلى الخبز كما نصحتِني...

وفي النهاية كيلو واحد؟!

ثم أخذ يتأسف:

— وأنا الذي كنت أنزل عدة كيلوغرامات بسرعة!

أرهقت نفسي عشرة أيام...

وفي النهاية 118!

كانت الأخصائية تنظر إليه بهدوء.

تركته يتحدث...

حتى انتهى.

ثم قالت:

— انتهيت يا عم أبو علي؟

تنهد وقال:

— نعم...

لكنني لم أتوقع هذه النتيجة.

ابتسمت الأخصائية، وأغلقت ملفه برفق.

ثم قالت:

— يا عم أبو علي...

أخشى أنك ما زلت تنظر إلى الميزان بعينيك القديمتين!

رفع رأسه مستغربًا.

— ماذا تقصدين يا دكتورة؟

ابتسمت وقالت:

— أنت ترى كيلوغرامًا واحدًا فقط...

أما أنا فأرى شيئًا آخر!

اعتدل أبو علي في جلسته، وقد عاد الفضول إلى عينيه.

وقال:

— شيئًا آخر؟!

وما هو؟

وصفة الصحية

لا تجعل نجاح حميتك مرهونًا بسرعة نزول الوزن؛ فالتغيير الصحي يبدأ باختيارات صغيرة تتكرر كل يوم. اختر الحبوب الكاملة قدر الإمكان، ونوّع وجباتك، واضبط الكميات بما يناسب احتياجاتك، وتذكّر أن التقدم التدريجي أكثر قابلية للاستمرار من الحميات القاسية.

وللقصة بقية... الحلقة الأخيرة

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف