آخر تحديث: 5 / 11 / 2026م - 2:35 م

ملاحظات أخرى حول «الأغربون»

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

ما زلت منشغلاً بكتاب «الأغربون» الذي صدر الشهر الماضي. مترجِم الكتاب الدكتور حمزة المزيني أكاديمي معروف، نشر 12 كتاباً وترجم 17، بينها 5 من كتب نعوم تشومسكي. أما مؤلفه فهو الدكتور جوزيف هنريك، أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة هارفارد. وهو عمل ضخم يقع في 900 صفحة، مملوء بالمعلومات والأفكار المثيرة للذهن.

وتكشف سيرة المؤلف عن عالِم متبحر متنوع الاهتمامات، بدأ مهندس اختبار للأنظمة الفضائية، ثم درس الأنثروبولوجيا والاقتصاد والاجتماع وعلم النفس، وأجرى بحوثاً ميدانية قادت لتغيير جوهري في «نظرية الألعاب»، وهي من النظريات الأساسية في دراسة السلوك البشري. وربما أعود لهذا الموضوع في وقت آخر. ولكنني أود الوفاء بما وعدت به في مقال الأسبوع الماضي، أعني به بيان سبب اعتراضي على رؤية ضمنية، ظننتها تلوح بين سطور هذا الكتاب، وكتاب ماكس فيبر «الأخلاق البروتستانتية».

ذكرتُ يومئذ أن الكتابين كليهما طرحا فرضية فحواها أن العقيدة البروتستانتية لعبت دوراً مؤثراً في نشوء الرأسمالية عند فيبر، والاختيار العقلاني والعلاقات التعاقدية عند هنريك. وادعيتُ أن هذه الفرضية - إضافة لنظام الزواج في الكنيسة الكاثوليكية كما رأى هنريك - لا يدعمها دليل قاطع؛ بل ربما كانت العامل المرجح بين خيارات كثيرة. وقلت أيضاً إنها لو كانت عاملاً قطعياً لرأينا نتاجها متماثلاً في مختلف التجارب. وهذا لم يحدث في الواقع. وضربت أمثلة على ذلك.

أعتقد أن الظواهر الاجتماعية الكبرى، كالتي تحدث عنها الكتابان، لا ينتجها عامل واحد. فقد يكون هذا العامل مؤثراً جداً، ولكن تأثيره لا يصمد أمام العوامل المعاكسة خلال زمن طويل، كما في الأمثلة التي ضربها فيبر وهنريك.

منذ إعلانها الأول في 1517 أحدثت البروتستانتية اختراقاً تاريخياً في فهم العلاقة بين الدين والدنيا، لا سيما القيمة الدينية للعمل الدنيوي. ولكن التحولات التي عرفتها المجتمعات الأوروبية، بما فيها البروتستانتية، لم تنضج قبل أوائل القرن الثامن عشر، وسبقها ازدهار العلوم وتفكك الهالة القدسية المحيطة بالنخب الحاكمة، نتيجة الحروب الدينية الكثيرة وما تركته من خسائر فادحة. هذه مسافة زمنية طويلة.

وثمة - إضافةً لهذا - أمثلة لا يمكن المرور عليها من دون تأمل، أحدها النهوض السريع للقوة الألمانية في العهد النازي؛ حيث ازدهر العلم والصناعة على نحو لا سابق له في التاريخ، خلال فترة وجيزة جداً، بين تولي هتلر السلطة في 1933 وسقوطه في 1945. ونعرف أن العامل المحرك لهذه النهضة هو حلم التفوق القومي للعنصر الألماني، وليس الدين أو غيره. ونذكر أيضاً مثال اليابان ونهوضها في العشرين عاماً التالية لاستسلامها في الحرب عام 1945، فقد تجاوزت صناعياً واقتصادياً معظم الدول المنافسة والجيران كافة. وفي نهاية القرن العشرين، كان إنتاج العلم والتقنية فيها قد بلغ مستويات تنافس حتى الولايات المتحدة التي احتلتها وفرضت عليها الاستسلام. ونعلم أن العامل المحرك لنهضة اليابان هو إرادة اليابانيين، النخبة والعامة، للخلاص من الخذلان والانكسار الناتج عن الهزيمة العسكرية. ولم تكن اليابان طبعاً بروتستانتية ولا مسيحية أصلاً.

ومما يثير التأمل أيضاً أن إيطاليا وفرنسا الكاثوليكيتين، شهدتا نهوضاً في الصناعة في أوائل القرن التاسع عشر. وهما اليوم من الدول المتقدمة في العلم والتقنية «وهذا يُضعف حجة فيبر».

وخلاصة ما أراه في هذا المقام، هو أن الدين - أي دين - قد يلعب دور الرباط الذي يشد المجتمع إلى قضية محددة: النهضة العلمية أو الانتصار في الحرب أو صناعة الثروة. ويمكن لأي آيديولوجيا أخرى أن تلعب الدور نفسه، كالقومية والتفوق العرقي وكذلك اليوتوبيات؛ لكن نجاحها في تغيير النسيج الثقافي بشكل عميق، وإطلاق حراك اجتماعي شبه دائم، مشروط بتوفر عوامل أخرى، أهمها - كما أظن - ما أطلقوا عليه في فلسفة التأويل «الأفق التاريخي» للجماعة، وتطابق تلك الدعوة مع مكونات هذا الأفق. ولهذا حديث آخر.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.