آخر تحديث: 4 / 11 / 2026م - 2:15 م

حينما نجا ابني من تشجيع فريقي

سراج علي أبو السعود *


استعدتُ حوارًا دار بيني وبين رياضي مخضرم، حين أخبرته بأن ابني، ابن العاشرة، اختار تشجيع فريق فرنسي «عنده فلوس واجد»، فقال لي بسرعة بديهة: «أحسن لقلبه!». والحقيقة أنني كلما تأملتُ هذه العبارة ازددتُ يقينًا بأن الرجل لم يكن يتحدث عن كرة القدم بقدر ما كان يقدم استشارة طبية مجانية! فالفريق الثري يستطيع استقطاب أفضل اللاعبين، وإذا تعثر أو خسر بطولة، فتح خزائنه وجلب من النجوم ما يعينه على النهوض مجددًا. وحتى إن كان يقبع في الدرجة الثالثة، فإن المال كفيل بأن يمهّد له الطريق، عاجلًا أو آجلًا، إلى الدوري الممتاز ومنصات التتويج. أما فريقنا، فإذا تعثر، استعنا بالصبر، ثم أقنعنا أنفسنا بأن القادم أجمل، مع أن القادم لا يختلف عن الراحل أحيانًا إلا في التاريخ!

في اعتقادي أن الفرق بين مشجع الفريق الثري ومشجع الفريق محدود الإمكانات هو أن الأول إذا خسر مباراة، انشغل بالنجوم الذين ستجلبهم إدارته، أما الثاني فينشغل بالتفكير في الذنوب التي ارتكبها حتى استحق كل هذا البلاء! الأول يطالب بصفقات جديدة، والثاني يطالب قلبه بمزيد من الصبر؛ أحدهما يشتري الحلول بالمال، والآخر يشتري الأوهام بالأمل. ولعل أجمل ما في تشجيع الفريق الثري أنه يمنح مشجعيه فرصًا أوفر للفرح والاطمئنان؛ فالإنسان، بما يواجهه من أعباء الحياة وضغوط العمل ومشاغل الأسرة، يحتاج بين حين وآخر إلى جرعة من البهجة تنسيه بعض ما يكابده. لكننا نذهب إلى الملعب بحثًا عن السعادة، فنعود أحيانًا بحاجة إلى من يواسينا! وكأن الحياة، بعد أن أثقلتنا بهمومها، أوكلت إلى فريقنا مهمة استكمال ما تبقى منها، حتى صار بعضنا يحتاج إلى إجازة يتعافى فيها من هزيمة الويكند!

الحقيقة أنني أدركتُ متأخرًا أن صديقي كان أبعد نظرًا مني حين قال: «أحسن لقلبه!». بل وجدتني أكثر ارتياحًا لاختيار ابني، وتراجعتُ عن تحفظي عليه؛ فقد كنت أظن أن من واجبي الأبوي والأخلاقي أن أورثه حب فريقي، كما يورث الآباء أبناءهم أعز ما يملكون، ثم اكتشفتُ أن بعض المواريث لا ينبغي أن تنتقل من جيل إلى جيل، ولا سيما إذا كانت مصحوبة بالحسرة والضغط والسكر ووجع القلب! لقد اختار الطفل فريقًا يملك المال، فربما وفّر على قلبه سنوات من الانتظار. أما أنا فاخترتُ فريقي بقلبي. ومع ذلك، لن أغيّر فريقي حتى لو هبط إلى الدرجة التاسعة وأصبح يلعب في الحواري، وكل ما أرجوه الآن ألّا يرث ابني عني هذا العناد؛ فقد نجحتُ أخيرًا في تربيته على شيء لم أنجح أنا في تعلّمه: أن يبحث عن الفرح حيث تتوافر أسبابه. أما أنا فسأبقى على سابق عهدي، أترقّب في كل ويكند هدف تعادل في الدقيقة الأخيرة أمام فريق يلعب بتكتيك «جيب قول وخرب»، أو هزيمة على يد فريق «عنده فلوس واجد»، حتى يمضي العمر وأنا أستعيد بمزيد من الحسرة ذكريات النمور وهم يرددون: «يمشي كدا كدا»!