شظايا القلوب.. عندما تنكسر الخواطر وتنهار المشاعر

من منا لم يمر بظروف قاسية ومؤلمة؟ نتيجة احتكاك أو تصادم مع من يعزّون عليك من أقرب الناس إليك، بسبب تباين الآراء حول بعض المشكلات التي تسببت في إخفاقات عاطفية أو وجدانية أو توتر في العلاقات الودية، أدت إلى التنافر وقطيعة الرحم، وتركت جروحًا غائرة يصعب اندمالها أو التئامها، وتبقى آثارها في الروح بعد تجربة قاسية أو مؤلمة، إذ تترك كل صدمة «شظية» في النفس يصعب انتزاعها أو التخلص من آثارها، وقِس على ذلك الصدمات المتكررة والضغوط المستمرة التي تتفاعل وتولّد حالة من كبت المشاعر لا يمكن تجاهلها، ويتمثل ذلك في محاولة إخفاء الحزن أو الألم بدلًا من التعامل معهما، مما يؤدي إلى تراكم هذه المشاعر وانفجارها لاحقًا، ويخلق حالة من تبلّد المشاعر «التبلّد العاطفي» عندما يدخل الدماغ في حالة من «الانفصال العاطفي» لحماية نفسه، إذ يفقد الشخص القدرة على الشعور بالفرح أو الحزن أو الحب، ويصبح في حالة من اللامبالاة.
وتعود مسببات هذه الحالات وردود الفعل المصاحبة لها إلى الصدمات النفسية المتكررة، مثل فقدان شخص عزيز أو التعرض لخذلان كبير من المقربين، مما قد يؤدي أحيانًا إلى اضطرابات عاطفية لاحقة.
وتتمثل هذه الضغوط المزمنة وعلاقات الاستنزاف في العيش في بيئات سامة أو ضمن علاقات مستنزفة تستهلك طاقة الإنسان النفسية بشكل يومي، مما يؤدي إلى انهيار الشعور بالأمان واستنزاف المشاعر، وقد يسهم في ظهور مشكلات نفسية مثل الاكتئاب أو القلق والخوف المزمن.
وللتشافي والتعافي من هذه الحالة المزعجة، لا بد من قبول المشاعر، حتى المؤلمة منها، وتحمّلها، ومحاولة تفكيكها وفهم أسبابها بدلًا من إنكارها أو التغاضي عنها، وإيجاد الحلول المناسبة لمعالجة تداعياتها، وفتح باب الحوار مع من يمرون بهذه الظروف، والاستماع إلى شكواهم، وتمهيد الطريق للعودة إلى أجواء من الرضا والتصالح، بعد أن يبوح كل من يمر بهذه الظروف بما في نفسه، تمهيدًا للقاء وتنقية القلوب من الشوائب العالقة بين المتنازعين. وعلى من لهم تأثير مباشر في الطرفين المسارعة إلى التدخل بكل هدوء وحكمة وتعقل، وعدم الانحياز إلى طرف ضد الآخر، ولا سيما من تربطهم بالطرفين علاقة وثيقة ولهم تأثير في التقريب بينهما، وحثهما على الجلوس معًا، لجمع الأطراف المتنازعة حول مائدة مستديرة، دون انحياز أو ميل عاطفي، لتقريب وجهات النظر بأسلوب سلس وشفاف تسوده الحكمة والرزانة والحنكة، حتى يسود الوئام ويزول الخصام بين القلوب المتشاحنة، قبل أن تستفحل الأمور وتخرج عن نطاق السيطرة، لا سمح الله. وقد حذّر الإمام علي
من كسر الخواطر، إذ نُسب إليه القول: «إياكم وكسر الخواطر، فهي ليست عظامًا تُجبر، وإنما أرواح تُقهر».
والله ولي التوفيق.












