خطيب الجراح… سؤالٌ إلى محمد العلي في مستقر رحمته

منذ أكثر من أربعين عامًا، وأنا كلما التقيت أستاذنا الأكبر، الشاعر والمفكر محمد العلي، أستعيد أمامه قصيدته ”خطيب الجراح“، تلك القصيدة التي كتبها عام 1960 م، وهو في أواخر العشرينيات من عمره، فكان يعتز بها اعتزازًا خاصًّا، ويعود إلى إلقائها بصوته بين الفينة والأخرى، وكأنها ليست نصًّا كتبه في مرحلة مبكرة من حياته، وإنما عهدٌ روحي ظل وفيًّا له حتى آخر أيامه.
وكان مطلعها:
منحتني ذكراك ألف جناح
فَسكبت النجوم في أقداحي
وفرجت السماء عن خشعة الفجر
على مهدك الزكي الضاحي
ولم تكن علاقتي بهذه القصيدة علاقة قارئ بنص أعجبه فحسب، بل كانت علاقة ذاكرة بصاحبها، ووفاء بقصيدة ظلت تتجدد في مجالسنا على امتداد تلك السنين. كنت أذكرها له، فأرى في ملامحه اعتزازًا لا تخطئه العين، وأصغي إليه وهو يلقيها، فأشعر أن بينه وبينها صلة تتجاوز حدود الكتابة إلى منطقة أكثر عمقًا في النفس.
وكان آخر عهدي بسماعها منه قبل وفاته بعدة أشهر، حين ألقاها بصوته في مقطع مصور جرى تداوله على نطاق واسع، ونال إعجاب كثيرين. يومها لم أكن أعلم أن ذلك الصوت الذي ألفته طوال عقود سيغدو، بعد رحيله، ذاكرةً نعود إليها كلما اشتقنا إلى حضوره، وأن القصيدة التي سمعتها منه مرارًا ستصبح شاهدًا على علاقة استثنائية بين شاعر ونصٍّ حمل شيئًا من وجدانه العميق.
لقد سمعت منه شخصيًّا أن هذه القصيدة سوف تشفع له يوم القيامة، وتدخله الجنة بإذن الله. ولم أنسَ هذه العبارة، لا لأنها تكشف مقدار اعتزازه بها فحسب، بل لأنها تفتح بابًا للتأمل في طبيعة الصلة التي ربطته بها؛ صلة لم تكن صلة شاعر بقصيدة يفاخر بجمالها، وإنما صلة إنسان يرى في ما كتبه تعبيرًا عن محبته وولائه للإمام الحسين
، ورجاءً صادقًا في رحمة الله ورضوانه.
وهنا، وبعد رحيل أستاذنا الأكبر، ينهض في داخلي سؤال ظللت أتمنى لو أنني طرحته عليه في حياته، سؤال لم يعد بإمكاني أن أوجهه إليه في مجلس من مجالسنا، ولا أن أترقب جوابه في نبرة صوته أو في تلك الابتسامة التي كانت تسبق أحيانًا دخوله إلى عمق الفكرة.
كيف تأتّى لمحمد العلي، وهو في أواخر العشرينيات من عمره، أن يكتب قصيدة بهذه الحرارة الروحية، وهذا التوهج الوجداني، وهذا الإحساس الذي يجعل القارئ يشعر كأن الكلمات لم تُكتب بالحبر وحده، بل كُتبت بشيء من نور المحبة وحرارة الانتماء؟ وكيف استطاع، في تلك السن المبكرة، أن ينفذ إلى هذه المنطقة التي يتعانق فيها الشعر بالعقيدة، والجمال بالإيمان، والعاطفة بالتأمل؟
لو استطعت أن أعود إليه اليوم، وأن أجلس قبالته كما جلست عشرات المرات، لقلت له:
يا أبا عادل، لقد أعدتَ إلقاء ”خطيب الجراح“ أمامي طوال أكثر من أربعين عامًا، وكنت في كل مرة أشعر أن القصيدة لا تزال تحتفظ بسرٍّ لم أستطع بلوغه. كتبتها عام 1960 م، وأنت في مقتبل العمر، ثم ظللت تعود إليها حتى الأشهر الأخيرة من حياتك. فما الذي حدث في داخلك يوم كتبتها؟ أكانت لحظة انفعال عاطفي أمام مأساة الحسين
، أم كانت تجربة أعمق من الانفعال، تداخل فيها الوعي بالتاريخ مع وجدان الشاعر، حتى أصبحت القصيدة جزءًا من تكوينك الروحي؟
وأتخيل، في غيابك، أنك قد تبتسم ابتسامتك الهادئة، ثم تقول لي:
يا نزار، ليست كل القصائد التي يكتبها الشاعر تبدأ من قرار الكتابة، فبعضها يبدأ من منطقة لا يعرف الشاعر نفسه كيف وصل إليها. قد يقرأ الإنسان واقعةً تاريخية، أو يسمع حكاية، أو يقف أمام مأساة، فيتأثر بها لحظتها ثم يمضي، وقد تستقر الواقعة في أعماقه، وتظل تعمل في صمت، حتى يأتي يوم تجد فيه اللغة طريقها إلى ما كان مختبئًا في النفس.
إن الحسين
ليس واقعةً نعود إليها لنستعيد حزنها فحسب، بل هو سؤال مفتوح عن الإنسان حين يقف أمام الظلم، وعن الضمير حين يُمتحن، وعن المبدأ حين يصبح الثمن باهظًا. وحين يقترب الشاعر من هذه التجربة، فإنه لا يقترب من تاريخ مضى وحده، بل من معنى يتجدد في كل زمان.
وربما لم أكن، وأنا أكتب ”خطيب الجراح“، أمتلك من العمر ما أمتلكه اليوم من خبرة، لكن العمر ليس وحده مقياس التجربة. قد تسبق الروح سنواتها، وقد تفتح المحبة في الإنسان أبوابًا لا تفتحها المعرفة وحدها. وربما كتبتُ ما كتبت لأنني لم أكن أريد أن أصف المأساة من خارجها، بل أن أبحث عن أثرها في الإنسان، وعن ذلك النور الذي يمكن أن يولد من أشد لحظات التاريخ ظلمة.
أما اعتزازي بالقصيدة، فلا يعني أنني أراها عملًا مكتملًا لا يعتريه النقص، وإنما لأن لها في نفسي مكانًا لا تشغله قصيدة أخرى. فهناك نصوص يكتبها الشاعر، ثم يتركها للقراء، وهناك نصوص تظل تعود إليه، كأنها تذكّره بسبب الكتابة، وبالمعنى الذي أراد أن يكون وفيًّا له.
وأما رجائي أن تكون شفيعةً لي عند الله، فذلك شأن القلب حين يقف بين يدي ربه. لا أملك لنفسي نجاةً، ولا أستطيع أن أجزم بما يقضي الله به، لكنني أرجو رحمته، وأتعلق بفضله، وأتمنى أن تكون هذه الكلمات التي كتبتها في محبة الحسين
شاهدًا على صدق نيتي، لا على قدرتي الشعرية وحدها.
هكذا أتخيل جوابك يا أبا عادل، لا على أنه جواب سمعته منك، بل بوصفه حوارًا أستكمله معك في غيابك، مستعينًا بما عرفته فيك من فكر، وما لمسته فيك من حس إنساني، وما خبرته طوال سنوات صحبتك من صلة عميقة بين الكلمة والمبدأ.
ولعل السؤال الذي فاتني أن أطرحه عليك في حياتك سيظل مفتوحًا بعد رحيلك، شأنه شأن أسئلة كثيرة تركتها لنا. غير أنني أجد في قصيدتك ما يسمح لي بأن أقترب من الإجابة، لا من خلال الجزم بما دار في نفسك ساعة الكتابة، وإنما من خلال الإصغاء إلى النص نفسه، وإلى تلك المسافة التي تفصل بين الشاعر الشاب الذي كتب القصيدة عام 1960 م، والشاعر الذي ظل يعود إليها بعد عقود، حتى كأن الزمن لم يستطع أن ينتزع منها شيئًا من حرارة اللحظة الأولى.
أربعون عامًا ونيفًا، وأنا أذكّرك بقصيدتك، فتعود إليها بصوتك، واليوم أعود إليها وحدي، فلا أجد صوتك أمامي، لكنني أجد القصيدة، وأجد فيها شيئًا من حضورك، وأسمع من خلالها صدى ذلك الإنسان الذي أحب الشعر، وأحب الحسين
، وظل يرى في الكلمة أكثر من قدرتها على التعبير؛ رأى فيها رجاءً، وموقفًا، وشهادةً يضعها بين يدي الله.
رحمك الله يا أبا عادل، يا أستاذنا الأكبر، ويا من تركت لنا في ”خطيب الجراح“ أثرًا يتجاوز حدود زمن كتابتها، ويفتح أمامنا سؤالًا عن سر القصيدة حين تتقدم على عمر صاحبها، وعن المحبة حين تصبح لغةً لا يحدها الزمن.
وإذا كان آخر ما سمعته منك هو صوتك وأنت تلقيها، فإن آخر ما أريد أن أقوله لك اليوم هو أن القصيدة ما زالت حاضرة، وأن سؤالي ما زال ينتظر، وأنني كلما استعدت مطلعها شعرت أن بعض الأصوات لا تنتهي حين يصمت أصحابها، بل تترك فينا صدى يواصل الكلام.
رحمك الله رحمةً واسعة، وجعل محبتك للحسين
، وما حملته من صدق النية ووفاء القلب، في ميزان حسناتك، وأسكنك فسيح جناته.
أما ”خطيب الجراح“، فستظل بالنسبة إليّ أكثر من قصيدة في ديوان شاعر؛ ستظل حكاية عمرٍ من الوفاء، ونافذةً أطل منها على أستاذي الأكبر كلما اشتقت إليه، وشهادةً على أن الكلمة حين تخرج من أعماق الإنسان لا تعود ملكًا لصاحبها وحده، بل تصبح حياةً أخرى تمضي بعده، وتواصل طرح أسئلتها، وتظل، مثل صاحبها في ذاكرة محبيه، قصيدةً لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.












