آخر تحديث: 3 / 11 / 2026م - 4:14 م

ساعة واحدة.. أكبر من الزمن!!

عبد الله صالح الخزعل


ليس أخطر ما يواجه الإنسان في هذا العصر ضيق الوقت، بل فراغ المعنى. فنحن ننتقل من مجلسٍ إلى مجلس، ومن حديثٍ إلى حديث، ومن انشغالٍ إلى آخر، حتى نظن أننا نعيش حياةً عامرة، بينما قد نكتشف متأخرين أن الضجيج ليس حياة، وأن كثرة الكلام ليست بالضرورة كثرةً في الوعي. ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يفاجئه مجلسٌ صغير فيعيد إليه أسئلةً كبيرة. هذا ما شعرت به وأنا أحضر جلسةً قرآنية دورية في مجلس أحد الأصدقاء؛ جلسة لا تتجاوز ساعةً من الزمن، لكنها بدت لي وكأنها نافذةٌ فُتحت فجأة في جدار الاعتياد، لأرى من خلالها الفرق بين حديثٍ يملأ الفراغ، وحديثٍ يملأ الإنسان نفسه.

الإنسان بطبيعته كائنٌ اجتماعي، ولذلك امتلأت حياته بالمجالس واللقاءات. غير أن السؤال الأعمق ليس: مع من نجلس؟ بل: ماذا تفعل بنا جلساتنا؟ فالمجالس ليست أمكنةً محايدة نعبرها ثم نمضي، بل هي ورشٌ خفية تُعاد فيها صياغة أفكارنا وقيمنا وطريقة رؤيتنا للعالم. وكل مجلس نرتاده يترك شيئًا منه في داخلنا، سواء شعرنا بذلك أم لم نشعر. ومن هنا بدا لي الفرق بين المجالس الاجتماعية المعتادة والجلسة القرآنية فرقًا يتجاوز طبيعة الموضوعات المطروحة إلى طبيعة الأثر الذي تتركه في النفس.

في المجالس اليومية نتبادل الأخبار ونناقش الأشخاص والأحداث، ثم نغادر محمّلين بمزيدٍ من تفاصيل الحياة. أما في مجلس القرآن فإننا لا نغادر محملين بالتفاصيل، بل بالمعاني. هناك نضيف إلى ذاكرتنا معلومات جديدة، وهنا نضيف إلى وعينا زاويةً جديدة للنظر إلى الحياة. هناك نستمع إلى ما يجري حولنا، وهنا نستمع إلى ما يجري في أعماقنا. فالقرآن لا يخاطب سمع الإنسان فقط، بل يخاطب أسئلته الوجودية الكبرى؛ أسئلة الغاية والمصير والقيمة والمسؤولية، وهي الأسئلة التي كثيرًا ما يطمرها صخب الحياة اليومية.

ولعل من أعمق ما أدركته في هذه الجلسة أن فائدتها لا تكمن فقط في تصحيح التلاوة أو فهم معنى الآيات، بل في أنها تعيد للإنسان قدرته على التأمل. ففي زمنٍ أصبحت فيه العقول مطاردة بالرسائل والتنبيهات والصور المتدفقة بلا انقطاع، يغدو التوقف مع آيةٍ واحدة نوعًا من المقاومة الهادئة لهذا التشتيت العام. وكأن التدبر ليس مجرد فهم للنص، بل تدريب على استعادة الذات من قبضة الاستعجال الدائم.

كما أن هذه المجالس تمنح الإنسان درسًا بليغًا في التواضع الفكري. فحين يتدبر عددٌ من الأشخاص الآية نفسها، ويضيء كلٌ منهم جانبًا مختلفًا من معناها، يكتشف المرء أن الحقيقة أوسع من رؤيته الفردية، وأن العقول لا تتكامل إلا حين تتحاور. وهنا يتحول المجلس من لقاءٍ تعليمي إلى مساحةٍ حضارية راقية يتعلم فيها الإنسان كيف يستمع بقدر ما يتكلم، وكيف يتأمل بقدر ما يحفظ.

وثمة أمرٌ آخر لا ينتبه إليه كثيرون، وهو أن مثل هذه اللقاءات تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والزمن. فغالبية المجالس تمضي فيها الساعة سريعًا ثم لا يبقى منها إلا ذكرى باهتة، أما مجالس القرآن فتنتهي الساعة ويبقى أثرها ممتدًا في النفس أيامًا وربما أسابيع. وكأن القيمة الحقيقية للوقت لا تكمن في مدته، بل في مقدار المعنى الذي يحتمله.

ومن زاويةٍ أخرى، يبدو الإنسان في رحلته الطويلة باحثًا عن شيء واحد مهما تنوعت أهدافه ومطالبه؛ إنه يبحث عن المعنى. المال يمنحه القدرة، والعمل يمنحه الإنجاز، والعلاقات تمنحه الأنس، لكن المعنى هو الذي يمنح لكل ذلك مبرره ووجهته. ولهذا لا تبدو الجلسات القرآنية مجرد نشاطٍ ثقافي أو ديني دوري، بل محطات مراجعة للذات، يتوقف فيها الإنسان قليلًا ليتأكد أن روحه لم تضل الطريق وسط ازدحام الحياة.

خرجت من تلك الجلسة وأنا أشعر أن أعظم ما اكتسبته لم يكن حكمًا تجويديًا جديدًا ولا معنىً إضافيًا لآيةٍ كريمة، بل شعورٌ عميق بأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى المزيد من المعلومات، بقدر حاجته إلى المزيد من البصيرة. وأدركت أن بعض المجالس تملأ أوقاتنا، بينما تملأ مجالس القرآن وجودنا نفسه. فالأولى تضيف إلى العمر ساعات، أما الثانية فتضيف إلى الساعات عمرًا آخر من الوعي والسكينة والنور.