آخر تحديث: 3 / 11 / 2026م - 1:06 ص

الفقيد الأديب والمفكر الوطني محمد العلي

عبد العزيز شروفنا *


بتاريخ 27 أكتوبر 2026، فقدت الساحة الثقافية والأدبية الوطنية أحد ألمع رموزها الكبار، ورائد قاطرة الحداثة والتنوير، ليس في المجال الأدبي فحسب، بل امتد أثره ليصل إلى الفكر والفلسفة والتاريخ وغيرها من المجالات الإنسانية الحيوية.

لم ألتقِ بالعلي إلا مرات قليلة متباعدة، لا تتجاوز أربع مرات، ولم أحظَ بالحديث معه إلا لماماً. ومع ذلك، أعد نفسي ممن عرفوه مبكراً، منذ شبابي، من خلال قراءة أعمدته في الصحف المحلية: ”بُعداً آخر“ و”كلمات مائية“ ثم أخيراً ”وقوفاً بها“. كنت متابعاً نهماً لكل ما يكتب، وكنت أجد في كل مقال إضافة، ولو قليلة، وفي الوقت ذاته كوة جديدة تفتح على عالمه.

عالم كنت أراه يكبر ويتسع مداه حقاً، ليس لأنه كان يكتب مقالات مطولة أو قصائد عصماء، فمقالاته كانت قصيرة، تُكتب بذكاء لتواكب سرعة العصر، لكنها مكثفة في معانيها، غنية في مضامينها. كانت تدفعك، إن كنت مهتماً بالأدب، للبحث فيما وراء المعنى، وتفتح لك طرق التعرف على مدارس أدبية ربما لم تسمع بها من قبل، أو تغوص بك في بحر من التخيلات. فليس كل ما يكتبه الأستاذ موضوعاً في طبق جاهز للالتهام، وليست كل فكرة يقدمها سهلة الاستيعاب، لا لأنه يرغب في تعجيز قرائه، بل لأنه يريد منهم تفعيل العقل وتنشيط الهمم. وعندما تصل إلى ما أراده، تنفرج بين ثنايا فمك بسمة الاصطياد.

نعم، ذلك هو الأستاذ محمد العلي. لا أتحدث عنه هنا بصفته أديباً أو شاعراً أو كاتب مقال فحسب، بل كمفكر، لأنه تجاوز مرحلة المثقف الموسوعي إلى مرحلة الإبداع غير النمطي. حتى إنك لا تجد في كتاباته مدرسة معينة محددة، بل تجده يؤسس لمدرسته الخاصة به، وأراها الواقعية الموضوعية، التي تستقي رؤاها من الظروف المحددة لولادة نتاج من رحم الواقع.

وفي كتابة مقالاته، تجده يستخدم منطقاً بنى عليه مجمل أفكاره، يسير بالقارئ في وحدة فكرية متلاحمة، وعند تفكيكها تلمس نفس الأدوات التي استخدمها في مقالات أخرى.

كنت أراه في كتاباته مدافعاً عنيداً عن تصوراته ومبادئه، حازماً في تبيان حججه. وإن اختلف معه كتاب أو أدباء، تراه يسوق الحجة بالحجة، محاولاً عدم إقحام الذاتي بالموضوعي. ولم يكن يسعى من كتاباته إلى إثارة مواضيع إشكالية لمجرد الإثارة، بل على العكس تماماً، فجل كتاباته تتبنى خطاً وطنياً منفتحاً على الآخر دون تحيزات مناطقية أو فئوية ضيقة.

لذلك استحق بجدارة صفة المفكر الوطني، الذي يحمل الوطن على كفه، وفي قلبه آمال كبيرة في تطور الوطن ورقيه، من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه.

لن أطيل أكثر، فالكتابة عن الفقيد الكبير، ولو بحسرة، هي متعة التجول في بساتينه الزاهرة. الكتابة عنه رد ولو لبعض من جمائله، فهو حق له، وحق للوطن علينا أن نخلد ذكراه العطرة.

إلى روحك يا أبا عادل الرحمة والمغفرة والسلام، وإلى أبنائك وذويك الصبر وجزيل الاحتساب.