آخر تحديث: 3 / 11 / 2026م - 1:06 ص

التشوه البصري.. هل نعرف معاييره حقاً؟

رائد السنان *


تسعى البلديات من خلال حملاتها وبرامجها لمعالجة التشوه البصري إلى تحسين المشهد الحضري، والارتقاء بجودة الحياة، وجعل مدننا وأحيائنا أكثر جمالًا وتنظيمًا. وهي أهداف نتفق معها ونتطلع إلى تحقيقها، لكن يبقى هناك سؤال يستحق النقاش: ما المقصود بالتشوه البصري؟ وما المعايير التي يُستند إليها في تحديده؟

عندما أسير في بعض الشوارع الرئيسية، وأشاهد مباني قديمة ومتهالكة، وواجهات متآكلة، وأسواراً فقدت مظهرها منذ سنوات طويلة، أتساءل: كيف بقيت هذه المشاهد دون معالجة، رغم أنها تقع في مواقع بارزة وتشكل جزءًا من الصورة العامة للمدينة؟

وفي المقابل، عندما أرى مظلات سيارات داخل الأحياء السكنية، منظمة ومرتبة، توفر الظل والحماية من حرارة الشمس، أجد أنها تُصنَّف أحيانًا ضمن مظاهر التشوه البصري. وهنا يبرز التساؤل: هل مجرد وجود المظلة يُعد تشوهًا، أم أن المعيار الحقيقي هو شكلها وموقعها ومدى التزامها بالاشتراطات البلدية؟

ولا يتوقف الأمر عند ذلك؛ فماذا عن المقاعد الموجودة على الواجهات البحرية والكورنيشات، التي أصبحت في بعض المواقع متسخة أو تالفة، وغير صالحة للجلوس؟ أليس إهمال المرافق العامة وعدم صيانتها من أبرز مظاهر التشوه التي تستحق المعالجة؟

وماذا عن أحد السكان الذي يزرع شجرة أمام منزله لتوفير الظل وإضفاء لمسة جمالية على الحي؟ هل ينبغي النظر إلى هذه المبادرة باعتبارها تشوهًا بصريًا لمجرد أنها لم تأتِ وفق تصور معيّن للتنسيق، ما دامت لا تعيق الممرات أو المرافق العامة ولا تخالف الاشتراطات؟

لا شك أن التنظيم الحضري ضرورة، وأن وجود اشتراطات للمباني والمظلات والأسوار والواجهات أمرًا مهمًا للحفاظ على هوية المدن وجمالها. لكن من المهم أيضًا ألا تتحول معايير التشوه البصري إلى أحكام عامة لا تميز بين المخالفة الفعلية والمبادرات الفردية التي قد تضيف جمالًا وفائدةً للأحياء.

إن تحسين المشهد الحضري لا يتحقق فقط بإزالة بعض المظاهر أو مخالفة أصحاب المنازل، بل يبدأ بمعالجة الأولويات، من صيانة المباني المتهالكة، وتحسين الأرصفة والطرق، والاهتمام بنظافة الحدائق والكورنيشات، وصيانة المرافق العامة، وتشجيع زيادة المساحات الخضراء.

كما أن مسؤولية تحسين المشهد الحضري لا تقع على عاتق السكان وحدهم، بل تمتد إلى الجهات المعنية التي يقع على عاتقها متابعة المرافق العامة وصيانتها بشكل مستمر، ومعالجة مظاهر الإهمال، وعدم الاكتفاء برصد المخالفات، فالصيانة والمتابعة جزء أساسي من معالجة التشوه البصري وليستا أمرًا ثانويًا.

وهنا، يبقى السؤال الذي نأمل أن تجيب عنه الجهات المعنية: هل لدينا تعريف موحّد وواضح للتشوه البصري، أم أن تطبيقه يختلف باختلاف الموقع والاجتهاد؟

فالمدينة الجميلة ليست فقط مدينة خالية من المخالفات، بل مدينة تحترم احتياجات سكانها وتحافظ على مرافقها وتشجع كل مبادرة تضيف إليها جمالاً وحياة.

إن وضوح معايير معالجة التشوه البصري، والتوعية بها، ومراعاة احتياجات السكان، من شأنه أن يعزز تكامل الجهود بين الجهات المعنية والمجتمع، ويسهم في تحقيق مشهد حضري أكثر جمالًا وتنظيمًا واستدامة.