آخر تحديث: 2 / 11 / 2026م - 2:59 م

جحيم الاكتمال

قراءة في قصيدة «جحيم الاكتمال» للشاعر عبد الوهاب أبو زيد

نزار المصطفى


ليست كل قصيدة تكتب لتقول شيئًا عن العالم؛ فبعض القصائد تكتب لتكشف ما يحدث في داخل الشاعر حين يواجه نفسه، وحين تتحول الكتابة من فعل إرادي إلى تجربة تستولي على كيانه، وتعيد ترتيب علاقته بذاته وبما يختزنه من مشاعر وأفكار. وفي قصيدة «جحيم الاكتمال» للشاعر المبدع عبد الوهاب أبو زيد، لا نقرأ وصفًا للحظة إبداعية عابرة، بل ندخل إلى علاقة ملتبسة بين الشاعر وقصيدته؛ علاقة تتداخل فيها اللذة بالألم، والاحتواء بالاختراق، والامتلاء بالاختناق، حتى يصبح الشعر قوة لا تكتفي بالتعبير عن الذات، بل تعيد تشكيلها من الداخل.

منذ العنوان، يضعنا الشاعر أمام مفارقة تستحق التأمل: كيف يصبح الاكتمال جحيمًا؟ أليس الاكتمال غاية يسعى إليها الإنسان، ودليلًا على بلوغ ما كان ينشده؟ بيد أن أبا زيد يقلب هذه الفكرة، ويضعنا أمام احتمال آخر؛ أن يكون الاكتمال، حين يتحول إلى حالة من الاكتفاء والانغلاق، بداية العجز عن التجدد، وأن يصبح ما نظنه نهاية النقص بداية الاختناق. فليس كل امتلاء حياة، وليس كل فراغ نقصًا، إذ قد يكون الفراغ هو المساحة التي تحتاج إليها الروح كي تتنفس، وتستعيد قدرتها على استقبال ما لم تعرفه بعد.

يقول الشاعر:

«عادةً ما تجيء القصيدة في آخر الليل

تشرّع أمتعتي

وتبعثر أوراقها في دمائي».

يفتتح أبو زيد قصيدته بكلمة «عادةً»، وكأنه يشير إلى علاقة متكررة بينه وبين القصيدة، علاقة لا تخضع لمواعيد الكتابة وحدها، بل لها طقوسها الخاصة التي تفرضها على صاحبها. فالقصيدة تأتي في «آخر الليل»، حيث تخفت الأصوات الخارجية، ويتراجع انشغال الإنسان بالعالم، فيصبح أكثر مواجهة لما يضطرب في أعماقه. وليس الليل هنا زمنًا محايدًا، بل فضاء تنكشف فيه الذات على نفسها، وتستعيد ما أخفته وراء انشغالات النهار.

لكن القصيدة لا تأتي ضيفة تستأذن، بل تأتي لتشرّع أمتعته. وهذا الفعل ينقلنا من صورة الإلهام الهادئ إلى صورة الاقتحام؛ فالقصيدة تفتح ما أغلقه الشاعر، وتكشف ما احتفظ به، وتعبث بترتيب الأشياء التي ظن أنها استقرت في مواضعها. والأمتعة، بما توحي به من أشياء يصطحبها الإنسان في رحلته، يمكن أن تُقرأ بوصفها ذاكرة الشاعر وتجربته، وما حمله من أحلام وانكسارات وأسئلة لم تجد طريقها إلى القول.

إن القصيدة تعرف، في هذه الصورة، أن الكتابة لا تبدأ دائمًا من فكرة واضحة، بل قد تبدأ من اضطراب يعيد فتح التجربة الإنسانية، ويستخرج من الذاكرة ما لم يعد حاضرًا في الوعي اليومي. وكأن الشاعر لا يذهب إلى القصيدة وحده، بل تأتي القصيدة إليه، وتعرف كيف تصل إلى المواضع التي لا يستطيع الوصول إليها بإرادته المجردة.

ثم تأتي الصورة الأشد كثافة: «وتبعثر أوراقها في دمائي».

هنا تتجاوز الكتابة حدود الورق، وتدخل إلى الجسد. فالأوراق التي يُفترض أن تكون مستقرة في دفتر أو كتاب تصبح مبعثرة في الدماء، وكأن القصيدة لا تكتفي بأن تُكتب، بل تريد أن تصبح جزءًا من الدورة الحيوية للشاعر. وهذا التحول من الورق إلى الدم ليس مجرد مبالغة تصويرية، بل يكشف عن رؤية تجعل الإبداع تجربة وجودية، يتداخل فيها ما يكتبه الشاعر بما يعيشه، حتى يصعب الفصل بين النص وصاحبه.

والتبعثر، على ما يحمله من معنى الفوضى، قد يكون شرطًا لولادة ترتيب جديد. فالقصيدة لا تأتي لتؤكد ما استقر في النفس، بل لتخلخله، وتعيد توزيع عناصره، وتمنح الأشياء القديمة علاقات جديدة. ولعل هذا ما يجعل الكتابة فعل اكتشاف، لا مجرد نقل لما يعرفه الشاعر مسبقًا.

ثم تتغير هيئة القصيدة، فتغدو كائنًا أنثويًا يقترب من الشاعر، ويدخل معه في علاقة تجمع الحنان بالهيمنة، والسكينة بالألم:

«تتمدد فوق سريري

تمسح شعري برفق

توسّدني صدرها».

تمنح هذه الصور القصيدة هيئة الحبيبة التي تستقبل الشاعر في لحظة ضعفه، وتحتويه برفق، وتتيح له أن يستريح في حضنها. فالسرير والصدر ومسح الشعر مفردات تنتمي إلى عالم الحميمية والطمأنينة، وكأن القصيدة، بعد أن اقتحمت أمتعته وبعثرت أوراقه، تمنحه ملاذًا من اضطرابه.

لكن أبا زيد لا يسمح لهذه العلاقة بأن تستقر في حدود الحنان؛ إذ يفاجئنا بالانتقال من اللمس الرقيق إلى فعل أكثر عنفًا وعمقًا:

«ثم تحفر في جسدي

كَوَّةً».

إن كلمة «ثم» تنقلنا من الاحتواء إلى الاختراق، ومن السكينة إلى الفعل الذي يترك أثرًا في الجسد. فالقصيدة التي تمسح شعر الشاعر برفق هي نفسها التي تحفر فيه، وكأن الجمال لا يمنح نفسه من دون أن يطالب صاحبه بثمن. إنها لا تكتفي بأن تواسيه، بل تنفذ إلى أعماقه، وتفتح فيه موضعًا لم يكن مفتوحًا من قبل.

وهنا تتجلى إحدى أهم دلالات النص: القصيدة لا تمنح الشاعر حقيقتها من الخارج، وإنما تستخرجها من داخله، وقد يكون هذا الاستخراج مؤلمًا؛ لأنه يستدعي مواجهة ما هو مستتر، ويعيد فتح طبقات من الذاكرة والشعور، ويدفع الإنسان إلى رؤية نفسه بعيدًا عن الصورة التي اعتادها.

ولم يقل الشاعر إنها تحفر في ذاكرته أو وجدانه، بل اختار جسده، وكأن التجربة الإبداعية لا تبقى فكرة في الذهن، وإنما تتجسد في الكيان كله. فالشعر، في هذه الرؤية، ليس صنعة لغوية منفصلة عن الحياة، بل معايشة كاملة، تترك أثرها في الجسد والروح معًا.

ثم يفرد الشاعر كلمة «كَوَّةً» في سطر مستقل، فيمنحها مساحة بصرية تتناسب مع أهميتها في بناء الصورة. والكوة نافذة صغيرة تُفتح في جدار، تسمح للضوء بالعبور إلى مكان مغلق. لكن هذه الكوة لا تُحفر في جدار بيت، بل في جسد الشاعر نفسه؛ وكأن القصيدة تفتح في داخله منفذًا إلى عالم لم يكن يستطيع بلوغه من قبل.

وهذه الصورة هي نقطة التحول في القصيدة؛ فالحفر الذي بدا فعلًا مؤلمًا يصبح طريقًا إلى الانكشاف، والاختراق يتحول إلى إمكان للرؤية. إن القصيدة لا تكتفي بأن تخلخل الشاعر، بل تفتح فيه مجالًا جديدًا للحياة، وتجعله قادرًا على رؤية ما كان محجوبًا عنه.

ويأتي الضوء ليكمل هذه الحركة:

«تتدفق من زينتها أنهارٌ من ضياء».

تتسع الصورة هنا من كوة صغيرة إلى أنهار متدفقة، ومن موضع محدود في الجسد إلى فيض من النور. وكأن القصيدة، بعد أن تفتح منفذًا في الداخل، تجعل منه مصدرًا للضياء. وما كان في البداية اقتحامًا وتبعثرًا ينتهي إلى انكشاف واتساع.

لكن اللافت أن الضوء يتدفق من «زينتها». فالزينة ليست مجرد مظهر خارجي، بل يمكن أن تُقرأ بوصفها جمال القصيدة الذي يراه القارئ في صورتها النهائية. ذلك الجمال الذي قد يبدو سلسًا ومكتملًا، بينما تختبئ وراءه رحلة شاقة من القلق والتردد وإعادة النظر والحذف والإضافة، ومن الصراع بين ما يريد الشاعر قوله وما تعجز اللغة أحيانًا عن حمله كما يريد.

إن القارئ يتلقى القصيدة في صورتها المضيئة، لكنه لا يرى بالضرورة ما سبق ذلك من عتمة. يرى النهر، ولا يرى الحفر الذي فتح مجراه؛ يرى الضوء، ولا يرى الجدار الذي شُقّ لكي يعبر. ومن هنا تنشأ المفارقة بين جمال النص في صورته المكتملة، وما قد يعيشه الشاعر من اضطراب في أثناء تشكله.

غير أن القصيدة لا تنتهي عند هذا الفيض من الضوء، بل تعود إلى عنوانها، وتكشف لنا عن المعنى الذي كانت تمهّد له منذ البداية:

«تلك عادتها

حين تفرغني من جحيم اكتمالي

تملؤني بالهواء!».

في هذه الخاتمة تتجمع خيوط القصيدة، ويصبح العنوان مفتاحًا لقراءة التجربة كلها. فالشاعر يتحدث عن «جحيم اكتمالي»، لا عن جحيم نقصي أو عجزِي. وهذا الاختيار ينقلنا إلى منطقة أبعد من المعنى المباشر للاكتمال؛ إذ يصبح الاكتمال حالة قد تنقلب على صاحبها حين تتحول إلى شعور بالاستغناء، أو حين توهمه بأنه بلغ النهاية التي لا يحتاج بعدها إلى سؤال أو اكتشاف.

فالإنسان الذي يعتقد أنه اكتمل قد يغلق أبوابه أمام التحول، ويستقر في صورة نهائية عن نفسه، ويصبح ما اكتسبه من معرفة وتجربة قيدًا يمنعه من رؤية ما وراءهما. وهنا يصبح الاكتمال جحيمًا؛ لأنه لا يترك فراغًا للحياة كي تدخل، ولا مساحة للدهشة كي تتجدد.

ولعل الشاعر لا يقصد الاكتمال بوصفه بلوغ النضج أو إتقان الصنعة، وإنما يشير إلى ذلك الامتلاء الذي يفقد الإنسان معه حاجته إلى التغيير. فثمة فرق بين النضج الذي يفتح آفاقًا جديدة، والاكتمال المغلق الذي يظن صاحبه أنه لم يعد بحاجة إلى شيء.

وحين يقول إن القصيدة «تفرغني» من هذا الجحيم، فإنه يمنح الشعر وظيفة تتجاوز التعبير عن المشاعر أو تسجيل الأفكار. فالقصيدة تعيد الشاعر إلى حالة من الانفتاح، وتخلخل ما استقر في داخله، وتحرره من وهم الوصول النهائي. إنها لا تزيد ما لديه فحسب، بل تزيل عنه ما أصبح ثقيلًا على روحه، وتعيد إليه القدرة على أن يرى العالم بعين لم تفقد دهشتها.

لكن لماذا تملؤه بالهواء؟

هنا تكمن براعة الخاتمة. فالهواء شيء لا نراه، لكننا لا نستطيع الحياة من دونه. إنه يملأ الفراغ، من غير أن يتحول إلى كتلة تسد الحركة أو تعطل التنفس. ولذلك لا يبدو الهواء في القصيدة رمزًا للعدم أو الخواء، بل رمزًا إلى الخفة والحيوية والقدرة على الاستمرار.

إن القصيدة تفرغ الشاعر من امتلاء يخنقه، ثم تملؤه بما يمنحه القدرة على التنفس. وهي لا تتركه فارغًا بمعنى الفقد، بل تعيده إلى فراغ حي، قابل لاستقبال التجربة المقبلة. وهذا هو الفرق بين الفراغ الذي يدل على العجز، والفراغ الذي يمنح الحياة إمكانًا جديدًا.

ومن هنا تصبح القصيدة فعلًا متجددًا للتحرر من الصورة النهائية للذات. فالشاعر لا يحتاج إلى أن يظل ممتلئًا بما أنجزه، بل يحتاج أحيانًا إلى أن يتخفف منه، لكي يتمكن من مواصلة الكتابة. وما إن تفرغه القصيدة من اكتماله حتى تعيده إلى البداية، لا بداية الجهل، بل بداية السؤال والاحتمال والدهشة.

أما قوله «تلك عادتها»، فيمنح التجربة بُعدًا يتجاوز اللحظة الواحدة. فالقصيدة تعود، والشاعر يعود معها إلى هذه الدورة المتكررة: اضطراب، ثم حفر، ثم انكشاف، ثم تفريغ وامتلاء جديد. وكأن الإبداع ليس وصولًا إلى حالة مستقرة، بل حركة دائمة بين ما يتشكل وما يتفكك، وبين ما نعرفه وما نكتشف أننا لم نعرفه بعد.

ومن الناحية الفنية، تقوم القصيدة على بناء متدرج تتكامل فيه الصور ولا تتجاور اعتباطًا. تبدأ بالأمتعة والأوراق والدماء، ثم تنتقل إلى السرير والصدر والجسد والكوة، وصولًا إلى الأنهار والضياء والهواء. وهذه المفردات ترسم مسارًا داخليًا ينتقل من الاقتحام إلى الاحتواء، ومن الحفر إلى الإضاءة، ومن الامتلاء إلى التفريغ، ثم إلى التنفس.

كما أن تشخيص القصيدة في هيئة أنثى يمنح النص وحدة شعورية، لكنه لا يقتصر على إضفاء صفات بشرية عليها؛ فالأنثى هنا تجمع بين الحبيبة التي تمنح الأمان، والقوة التي تقتحم وتعيد تشكيل الذات. إنها مصدر اللذة والألم معًا، والملاذ الذي يتحول إلى أداة للكشف، والاحتواء الذي لا يكتمل إلا بفتح منفذ في الداخل.

وهذا التناقض هو ما يمنع القصيدة من الوقوع في صورة رومانسية مألوفة عن الإلهام. فالشعر ليس حبيبة تمنح الشاعر الراحة دائمًا، ولا قوة تعذبه بلا غاية؛ إنه تجربة تتجاوز هذه الثنائية، لأن ما يؤلم فيها قد يكون هو نفسه ما يفتح الطريق إلى المعرفة، وما يخلخل استقرار الذات قد يكون شرطًا لنموها.

ولعل أهم ما يميز تجربة عبد الوهاب أبو زيد هنا أنه لا ينظر إلى القصيدة باعتبارها نصًا مكتوبًا فحسب، بل باعتبارها حدثًا يقع في الشاعر ويغيره. فالكتابة ليست نهاية التجربة، وإنما جزء منها، وربما كانت القصيدة في اكتمالها على الورق قد انتهت، بينما يظل أثرها في صاحبها مفتوحًا على تحولات لا تنتهي.

إنها، بهذا المعنى، لا تكتفي بأن تقول شيئًا عن الشاعر، بل تفعل شيئًا فيه. وهذا هو الفارق بين نص يصف التجربة الإبداعية من الخارج، ونص يجعلنا نشعر بحركتها الداخلية، وبما تنطوي عليه من صراع بين الحاجة إلى الامتلاء والخوف من الانغلاق.

وفي تقديري، فإن جوهر «جحيم الاكتمال» يكمن في هذه الرؤية: أن الإنسان لا يحيا بما جمعه واكتسبه وحده، بل يحتاج أيضًا إلى القدرة على التخلي عما تحول من مكتسباته إلى قيود. وأن الشاعر، مهما بلغ من النضج والتمكن، يظل محتاجًا إلى لحظة تعيد إليه هشاشته الخلاقة، وتحرره من يقينه، وتفتح في داخله نافذة على ما لم يكتشفه بعد.

فليس الشعر أن نصل إلى صورة نهائية لأنفسنا، بل أن نظل قادرين على مراجعة هذه الصورة، وأن نسمح لما نكتبه بأن يكشف لنا ما لم نكن نعرفه عن ذواتنا. وليس الاكتمال الحقيقي أن تنتهي الأسئلة، بل أن تظل في الإنسان مساحة تتسع لها.

وهكذا، لا يخرج الشاعر من جحيم اكتماله إلى فراغ ميت، بل إلى هواء الحياة؛ إلى تلك المساحة التي لا تُرى، لكنها تمنحه القدرة على التنفس، وتعيد إليه حريته في أن يبدأ من جديد. وتلك، في أعمق دلالات القصيدة، ليست حكاية شاعر مع قصيدته فحسب، بل حكاية الإنسان مع ما يظن أنه نهايته، بينما قد يكون تحرره منه هو البداية التي يحتاج إليها.