آخر تحديث: 1 / 11 / 2026م - 10:08 م

من يسكن وحدتنا؟

نازك الخنيزي


في وحدتنا، نكتشف أن للغائبين أصواتًا. كلمة قديمة تجعلنا نتردد أمام رغبة تخصنا، وأخرى ترد إلينا الثقة حين تضيق بنا الحياة. لا أحد في الغرفة، ومع ذلك يصلنا العتاب، ويصلنا الحنان. نواصل مع من غابوا أحاديث لم تنتهِ، ونصغي أحيانًا إلى أصواتهم أكثر مما نصغي إلى أنفسنا.

لبعضهم مقعد لم نجرؤ على إخلائه. نجلس قبالته كلما أقدمنا على اختيار، ننتقي العبارة التي لن تغضبه، ونهيئ جوابًا لاعتراض نعرفه. تمر السنوات، وتظل حجتنا ناقصة أمامه. لعل صاحب المقعد نسي الحكاية، ولعل الحياة أخذته إلى شؤون أخرى، ونحن هنا، نتقن الدفاع عن أنفسنا استعدادًا للقاء لن يحدث.

وفي لحظة فرح، قد نخفض أصواتنا دون أن يطلب أحد منا ذلك. نكاد نضحك، فتسبقنا إلى الضحكة نظرة قديمة. نكتمها، ونواصل يومنا بوقار لا نعرف كم كلفنا. تتسع الحياة أمامنا، ونبقى على حافتها، ننتظر إذنًا لا نذكر ممن طلبناه. نقول: هذه حدودنا، وننسى اليد التي رسمتها.

وأشد ما يربكنا أن تكون تلك اليد محبوبة؛ أن نتذكر دفأها على جباهنا كلما حاولنا الخروج على وصاياها. نهم بطريق فنلتفت، مع علمنا أن أحدًا لن يكون عند النافذة. نكبر، ويظل فينا طفل يخشى أن يعود بما لا يسر أهله. حتى الذين رحلوا، نحفظ لهم صورتنا التي أحبوها، ونؤجل ما عداها إلى عمر لا يأتي.

لهذا تستوقفنا عبارة «أجمل شيء ألا تكون وحدك حين تكون وحدك». نقرأها، وتمر في خواطرنا وجوه نبتلع أمامها الكلام، وأخرى نستعيد معها أصواتنا. كم مرة أغلقنا الباب طلبًا للراحة، فقضينا الليل نشرح لغائب لماذا فعلنا ما فعلناه، ونعتذر له عما لم نستطع أن نكونه؟

وللذاكرة وجوه نستريح من الشرح أمامها. لم تكن تستعجلنا حين يتعثر الكلام، ولا تنتظر منا أن نرتب حزننا قبل المجيء. معها، كانت الجملة تخرج ناقصة وتجد من يفهمها، وكان الصمت يتسع لجلوس اثنين. نغادرها أخف، ويعود إلينا في الطريق كلام أحجمنا طويلًا عن قوله، ورغبات كدنا ننساها من طول ما أخفيناها.

يغيب أصحابها، ويبقى لنا من صحبتهم ما نستعين به على الأيام. عند عثرة، تحضر كلمة قالوها دون أن يعرفوا أننا سنحتاج إليها بعد أعوام. وفي مساء نعجز فيه عن احتمال أنفسنا، نتذكر أنهم رأونا على هذه الحال، وبقوا. يهدأ العتاب قليلًا، ونترك ما تعذر علينا لليوم التالي.

ربما كان هذا بعض ما نبكيه في رحيلهم: تلك الراحة من الحذر، وذلك الجزء منا الذي لم يكن عليه أن يستأذن قبل الظهور. نفتقدهم، ونفتقد الطمأنينة إلى أن نُرى دون أن نخفي شيئًا منا. ويمضي وقت طويل قبل أن نرفق بضعف طال إنكارنا له، فنسمع في صوتنا شيئًا من حنانهم. نكون وحدنا، وللمرة الأولى منذ رحيلهم، لا نشعر أننا متروكون.