الكون تحت الكساء

كلما تأملتُ السماء، عاد إليّ سؤال الإنسان على الأرض: لماذا خلقنا الله، وأوجد هذا الكون؟ وما الصلة بين هذا الوجود الممتد، من الذرة إلى المجرات والثقوب السوداء، وبين أهل بيتٍ جمعتهم النبوة، وضمّهم كساء واحد؟
من هذا السؤال أنطلق في قراءتي للعلاقة بين الكون وأهل الكساء
. وهي قراءة فلسفية إيمانية تعبّر عن وجهة نظري الشخصية، ولا أقدّمها تفسيرا للقرآن الكريم، أو بحثا عقائديا، أو تحقيقا في أسانيد الروايات. أحاول فيها أن أتأمل الصلة بين الخلق والمعرفة والعبادة، وأن أصل بين المعاني التي أقبلها في هذه النصوص، مع التمييز بين ألفاظها وما أستنتجه من اجتماعها، دون الخوض في حقيقة الذات الإلهية أو كيفية علمها وإرادتها.
حين أقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، أتوقف عند قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ . فالآية تجعل العبادة غاية لخلق الجن والإنس، لكن هذا المعنى يفتح أمامي سؤالا آخر: كيف يعبد الإنسان ربه دون أن يعرفه؟ وكيف تتجه العبادة إلى غايتها إذا غابت معرفة المعبود والطريق الذي ارتضاه لعباده؟
سبق أن سمعتُ أن معنى «ليعبدون» يرتبط بمعنى «ليعرفون». ولا أتعامل مع هذه العبارة بوصفها بديلا عن لفظ الآية، وإنما بوصفها مدخلا إلى فهم الصلة بين المعرفة والعبادة. فالعبادة تحتاج إلى معرفة، والمعرفة تمنح العبادة وجهتها ومعناها.
وأجد هذا الارتباط حاضرا في الرواية التي أوردها الشيخ الصدوق في علل الشرائع عن الإمام الحسين
، إذ يربط فيها خلق العباد بمعرفتهم لله، ثم يربط معرفتهم به بعبادته، ويجعل عبادته سبيلا إلى الاستغناء عن عبادة سواه. وحين يسأل أحد الحاضرين عن معرفة الله، يأتي الجواب: «معرفة أهل كل زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته».
وهنا أجد المعنى الذي تتأسس عليه قراءتي: إن الصلة بين العبادة والمعرفة تمتد، بحسب هذه الرواية، إلى معرفة الإمام. فمعرفة الله التي تقود إلى عبادته ترتبط بمعرفة حجته، وبمعرفة من تجب طاعته بأمره.
وأفهم هذه الصلة من جهة الهداية والدلالة: فالله هو المعبود، وحججه هم الذين يدلّون عليه ويعرّفون عباده بما أراده منهم. ولذلك فإن معرفة الإمام تتصل بمعرفة مقامه وحجّته وصلته بالرسالة، وما يترتب على ذلك من تصديق وطاعة. وفي هذا المعنى تصبح معرفته جزءا من معرفة الطريق إلى عبادة الله.
غير أن السؤال الأول يظل حاضرا: إذا كان الله غنيا عن عبادتنا، فلماذا خلقنا لنعبده؟
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15].
تضعني هذه الآية أمام أصل لا يغيب عن تأملي: الله سبحانه وتعالى غني عن الخلق جميعا. فلا تضيف عبادتنا إلى كماله شيئا، ولا ينقصه إعراضنا عنه. نحن المحتاجون إلى معرفته وعبادته.
ومن هنا أميّز بين الغاية والحاجة. فوجود غاية للخلق لا يعني وجود حاجة عند الخالق. الغاية التي يبلغها المخلوق لا تستلزم نقصا يستكمله الله به. وحين أتساءل عن سبب الخلق، فإنني أبحث عمّا يكشفه الله لنا من حكمته، وما جعله غاية لوجودنا، مع إقراري بأن علمه أوسع من إدراكنا.
ثم يتسع السؤال من الإنسان إلى الكون كله. فالسماء التي أتأملها، والأرض التي أقف عليها، وكل ما فيهما، داخل في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44].
الوجود كله يسبّح، وإن غابت عنّا كيفية تسبيحه، والله غني عن هذا التسبيح كله. فأعود إلى سؤالي: لماذا أوجد الله هذا الكون؟ وإلى أي معنى تقودني صلته بالمعرفة والعبادة؟
عند هذا الموضع أصل إلى حديث الكساء، وإلى العبارة التي يستند إليها عنوان مقالي: «إلّا لأجلكم ومحبّتكم»، الواردة في نصه المتداول بعد ذكر السماء والأرض والشمس والقمر وغيرها من مظاهر الوجود. وانطلاقا من قبولي لمعناها، أفهم أن الله سبحانه وتعالى خلق الكون لأجل أهل الكساء: النبي محمد ﷺ، والإمام علي، والسيدة فاطمة الزهراء، والإمامين الحسن والحسين
.
وهنا تجتمع أمامي المعاني التي كنت أتأملها متفرقة: خلق الجن والإنس للعبادة، وارتباط العبادة بمعرفة الله، وارتباط هذه المعرفة بمعرفة الإمام، ثم خلق الكون لأجل أهل الكساء.
أجد في اجتماع هذه المعاني بناء مترابطا: فالعبادة تتجه إلى الله، ومعرفة حججه تدل على طريقها، وأهل الكساء هم الذين تنص الرواية، بحسب المعنى، على أن الكون خلق لأجلهم. ومن هنا أفهم أن مقامهم متصل بغاية الوجود، وأن معرفتهم متصلة بغاية الإنسان فيه.
وأنا هنا أميّز بين ما تقوله النصوص وما أستنتجه من جمعها. فآية العبادة تتحدث عن الجن والإنس، والرواية تربط معرفة الله بمعرفة الإمام، وعبارة حديث الكساء تنسب خلق مظاهر الكون إلى غاية تتعلق بأهل الكساء ومحبّتهم. أما وصل هذه المعاني في قراءة واحدة، فهو موضع تأملي الفلسفي.
وفي هذه القراءة، أفهم أهل الكساء غاية للخلق من جهة التشريف الإلهي الذي تشير إليه الرواية، وأفهم معرفتهم طريقا إلى الغاية التي خُلق الإنسان لها. فهم، بهذا الاعتبار، حاضرون في السؤال عن سبب وجود الكون، وحاضرون في السؤال عن كيفية توجّه الإنسان إلى خالقه.
ولا أجد في ذلك تعارضا مع غنى الله. فكون الخلق لأجلهم لا يعني أن الله محتاج إليهم. وجودهم نفسه عطية منه، ومقامهم تشريف منه، وصلتهم بغاية الخلق قائمة بإرادته. يظل الله سبحانه وتعالى الخالق الغني، ويظل أهل الكساء عباده الذين اصطفاهم ورفع مقامهم.
كذلك فإنني أقرأ الصلة بينهم وبين الكون من جهة الغاية، مع بقاء الخلق والإيجاد لله وحده. فالله هو الذي أوجدهم وأوجد الكون، وعبارة «لأجلكم» تقود تأملي إلى الغاية التي شاءها، وإلى منزلتهم عنده، دون أن تجعلهم مستقلين عنه في وجود أو فعل.
وحين أعود إلى سؤال المعرفة، تستوقفني كلمة «نسبي» في الخطبة المنقولة عن الإمام زين العابدين
: «من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي».
أقرأ هذا النسب في اتصاله بالنبوة والإمامة. فالتعريف به يكشف صلة صاحبه ببيت الرسالة. لكنه لا يكفي وحده لإقامة الصلة بين معرفة الله ومعرفة حججه. ولهذا أجد أن الرواية المتقدمة عن الإمام الحسين
هي الشاهد المباشر في هذا الموضع، بينما تأتي دلالة النسب لتعمّق تأملي في هوية أهل هذا البيت ومقامهم.
ومن هنا تتضح عندي العلاقة بين المعرفة والعبادة: حين أعرف أهل الكساء بمقامهم الذي أعتقده، أعرف من اصطفاهم الله للدلالة عليه، وأعرف موضعهم في الطريق الذي يصل العبد بربه. فمعرفتهم تتجه بي إلى الله الذي شرّفهم، وعبادته هي الغاية التي تقودني إليها هذه المعرفة.
أما الصلة بين معرفتهم وخلق الكون لأجلهم، فأراها في اجتماع مقامهم وغاية الخلق: أولئك الذين خُلق الكون لأجلهم، بحسب الرواية، هم أنفسهم الذين أتوجه بمعرفتهم إلى فهم الطريق إلى الله. وهنا يصبح الكون، في نظري، متصلا بهم في غايته، وتصبح عبادتي متصلة بمعرفتهم في هدايتها.
ولعل هذا ما يجعل مشهد الكساء مدهشا في وجداني: خمسة يجمعهم كساء في بيت، ثم يمتد الحديث عن مقامهم إلى السماء والأرض والشمس والقمر. مساحة صغيرة في عين الناظر، ومعنى يتصل بالوجود كله.
وأتأمل كيف يجتمع المحدود في المكان مع العظيم في المنزلة. فالمقام لا يُقاس بحجم الجسد، ولا تُعرف الغاية من اتساع المسافات وحده. قد تتسع السماوات بما يعجز البصر عن الإحاطة به، ثم تشير الرواية إلى أولئك المجتمعين تحت الكساء بوصفهم الذين خُلقت لأجلهم.
بهذا المعنى أفهم عنوان «الكون تحت الكساء»، الكون متصل في غايته بأصحاب الكساء، وإن لم يتسع لهم الكساء إلا بأجسادهم. وأراهم «كونا واسعا» من جهة ما تنفتح عليه معرفتهم من معنى الوجود وصلته بخالقه. وهي عبارة وجدانية أعبّر بها عن مقامهم في قراءتي، مع بقاء التمييز بين ذواتهم وبين مخلوقات الكون.
وحين أستحضر الإمام الحسين
وكربلاء، يزداد هذا المعنى إيلاما: كيف يُجهل مقام من أقرأ أن الكون خُلق لأجله؟ وكيف تجتمع دعوى التوجه إلى الله مع محاربة حجته؟ هنا أرى أن مسألة المعرفة تمس صميم العبادة. إذ إن معرفة من تجب طاعته تحدد وجهة الطاعة نفسها.
ولذلك لا تقف حيرتي عند سؤال: من هم أهل الكساء؟ بل تمتد إلى سؤال أعمق: ماذا يعني أن أعرف مقامهم في الخلق، وأن أعرف صلتهم بعبادتي لله؟ وهل أستطيع أن أفصل بين إيماني بمكانتهم، وبين فهمي للغاية التي أُوجدت من أجلها؟
إن الفكرة التي أصل إليها، في حدود هذه القراءة، هي أن الله سبحانه وتعالى خلق الكون لأجل أهل الكساء، وأن عبادته ترتبط بمعرفته، وأن معرفته ترتبط بمعرفة حججه. وهكذا تتصل عندي غاية الكون بمقامهم، وتتصل غاية الإنسان بمعرفتهم، ويبقى الله وحده مبدأ الوجود والمعبود الذي تتجه إليه العبادة.
وحين أرفع بصري إلى السماء مرة أخرى، أتأمل اتساعها وأنا أحمل هذه الصلة في وجداني: كونٌ خُلق لأجلهم، وإنسان خُلق للعبادة، ومعرفة بهم تهديه إلى معرفة ربّه.
فأي مقام هذا الذي يجتمع عنده سؤال الخلق وسؤال العبادة؟ وأي معرفة هذه التي تجعل النظر إلى أبعد المجرات يعيدني إلى بيت اجتمع فيه محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين
؟ ولا يزال الكون يتسع بهم تحت الكساء إلى ظهور الحجة الإمام المنتظر المهدي عجل الله فرجه الشريف، ليلقي الحجة على كل من يعرفهم ولا يعرفهم، فمن عرفهم عرف الله وعبده ومن لم يعرفهم لم يعرف الله. من هنا أسميتُ تأملي، الكون تحت الكساء.












