آخر تحديث: 31 / 10 / 2026م - 6:22 م

دعمٌ لا يُجحد

الدكتور ماهر آل سيف *


حين تمدّ الدولة يد العون، فلا ينبغي أن تقابلها بعض الشركات بالجحود؛ وحين تستثمر الحكومة في الإنسان، فلا يجوز أن يتحول الاستثمار إلى باب للاستغلال أو عنوان للاستغناء.

لقد قدّمت حكومة المملكة العربية السعودية، بقيادتها الرشيدة، نموذجًا وطنيًا رائدًا في دعم التوطين، فلم تكتفِ بالتشريع والتوجيه، بل شاركت القطاع الخاص أعباء التوظيف، وخفّفت عنه التكاليف، وفتحت أمامه أبواب التحفيز والتأهيل.

فمنذ إطلاق برنامج دعم التوظيف عام 2020، ساهم صندوق تنمية الموارد البشرية في أجور السعوديين بنسب تبدأ من 30% وتصل إلى 50%، وبحد أقصى ثلاثة آلاف ريال شهريًا لمدة عامين؛ أي إن المنشأة قد تحصل على 72 ألف ريال لدعم توظيف مواطن واحد.

ولم تكن هذه المبادرة مجرد إعانة مالية، بل استثمارًا وطنيًا لصناعة الكفاءة، وترسيخ الخبرة، وتحقيق الاستدامة الوظيفية.

وتكشف الأرقام حجم العطاء؛ فقد أنفق الصندوق 2.3 مليار ريال على دعم التوظيف خلال النصف الأول من عام 2024، وأسهمت برامجه المختلفة في توظيف أكثر من 562 ألف مواطن ومواطنة خلال عام 2025.

ولكن أين الوفاء حين ينتهي العطاء؟

من المؤسف أن تُثار ممارسات لبعض المنشآت التي تستفيد من الدعم، ثم تستغني عن الموظف بانتهائه، أو تنظر إلى المواطن بوصفه إعانة مؤقتة، لا كفاءة مستحقة.

والأشد خطورة احتمال أن تستحوذ منشأة على مبلغ الدعم دون الوفاء بالأجر المتفق عليه، فتربح الإعانة وتنتقص حق العامل؛ وهنا لا نتحدث عن تقصير إداري فحسب، بل عن مخالفة تستوجب التحقق والمحاسبة متى ثبتت.

وليس من الإنصاف اتهام كل منشأة تنهي عقدًا بعد الدعم؛ فقد توجد أسباب اقتصادية أو مهنية مشروعة. وإنما السؤال: هل انتهت الحاجة إلى الوظيفة، أم انتهت فقط منفعة الإعانة؟

إن عامين من الدعم فرصة كافية لتدريب المواطن وتأهيله وقياس إنتاجيته، لا لتدويره بين التعيين والاستغناء. فالشركة الناجحة تستثمر في الإنسان، ولا تستنزف الإحسان.

وقد أحسن صندوق تنمية الموارد البشرية حين اعتمد عام 2024 لائحة لمخالفات الدعم، تجيز إيقاف الخدمات واسترداد المبالغ وإلغاء الدعم وفسخ الاتفاقيات وفق الضوابط.

وهنا نقترح ربط بيانات الدعم باستدامة التوظيف، ومراجعة حالات الاستغناء المتكررة بعد انتهاء الإعانة، ومقارنتها بطلبات التأشيرات والاستقدام للمهن نفسها، والتحقق من مبررات إنهاء العقود، مع حماية حقوق المنشآت الملتزمة.

كما نقترح تحفيز الشركات التي تحتفظ بموظفيها الوطنيين، ونشر مؤشرات دورية عن استدامة الوظائف المدعومة، لا الاكتفاء بأعداد التعيينات.

فالتوطين ليس رقمًا يُسجّل، بل مستقبلًا يُبنى؛ وليس راتبًا يُدعَم، بل وطنًا يُخدَم.

إن رؤية السعودية 2030 تستحق شركات تشارك في تحقيقها بصدق، لا منشآت تنتفع بحوافزها ثم تتنصل من مسؤولياتها.

فمن أخذ من خير الوطن، فليكن شريكًا في بنائه؛ ومن استفاد من دعم الدولة، فليثبت وفاءه لأبنائها.

فالدعم أمانة، والتوطين مسؤولية، والوفاء للوطن ليس خيارًا تجاريًا، بل واجب وطني وأخلاقي.