آخر تحديث: 30 / 10 / 2026م - 4:44 م

رِفْقًا… وَلَوْ بحُسْنِ نيَّة

فوزي آل غريب *


قد يغادر الزائر غرفة المريض، وتبقى كلمته جالسةً عند طرف السرير؛ يستعيدها المريض حين يهدأ المكان، ويقلّب معانيها في العتمة: ماذا قصد؟ هل رأى في وجهي ما لم يخبرني به الطبيب؟ ولماذا حكى لي عن ذلك الذي بدأ مرضه هكذا، ثم انتهى إلى ما انتهى إليه؟

هكذا قد تطول زيارةٌ لم تستغرق سوى دقائق، ويبيت المريض بصحبة خوفٍ لم يكن في الغرفة قبل مجيء صاحبه.

نزور المرضى محبةً، ووفاءً، وأداءً لواجب. لكن المحبة، على صدقها، تحتاج إلى شيء من البصيرة؛ فليس كل ما يدفعنا إلى الكلام يمنح الكلام حقَّ أن يُقال، وليس كل ما نعرفه مناسبًا لمن يصغي إلينا من سريره. بين رغبتنا في المواساة وقدرتنا عليها مسافة، يقطعها بعضنا برفق، ويتعثر فيها آخرون بحسن نيّة.

ثمة زائر يدخل فتتسع الغرفة بحضوره. يلقي تحيته من غير أن يفتش في ملامح المريض عن خبرٍ مقلق، ويجلس قريبًا بما يكفي ليؤنسه، بعيدًا بما يكفي ليحفظ له مساحته. لا يستدرجه إلى شرح ألمه، ولا يطالبه بأن يعيد حكاية الفحوص والنتائج لكل من طرق الباب. يسأله، ثم يصغي؛ وحين يلمح التعب، يعرف أن للمحبة موعدًا تنهض فيه وتودّع.

وقد يردّ الحديث إلى ما يحب المريض: كتاب، أو ذكرى، أو تفصيل صغير من أيامه العادية. يمنحه فرصةً لأن يكون نفسه؛ صاحب الحكاية والاهتمام والضحكة، لا صاحب المرض وحده. وفي هذا الحضور الهادئ معنى عميق للمواساة: أن يجد الإنسان من يراه كاملًا، حتى وهو مستلقٍ على سرير.

وفي المقابل، ثمة من يأتي محمّلًا بما سمع وجرّب، كأن الزيارة لا تكتمل إلا بإضافة وصفة إلى الوصفات، ورأي إلى آراء الأطباء. يقترح دواءً نفع أحد أقاربه، وعشبةً امتدحها أحدهم، ثم يعترض على العلاج القائم بثقة لا يسندها اطلاع على تفاصيل الحالة. وقد يسأل مستنكرًا: «لماذا وصف لك الطبيب هذا؟» ويترك السؤال معلّقًا فوق رأس المريض، ثم يمضي.

أراد أن يساعد، فتركه أكثر حيرة. ولعل أصدق ما يقدّمه الزائر، حين يُسأل عمّا لا يعرف، أن يقول ببساطة: «لا أعرف، اسأل طبيبك». ففي الاعتراف بحدود المعرفة احترامٌ لمن يتلقى العلاج، وصونٌ له من أن يصبح موضع تجارب تتناقلها المجالس.

وللكلمات العابرة نصيبها أيضًا من هذا العبء. «لقد تغيّر وجهك كثيرًا»، «لم أتوقع أن أراك بهذه الحال»، «فلان أصابه المرض نفسه…». عبارات قد يقولها صاحبها متأثرًا، ثم ينصرف إلى يومه، بينما يبقى المريض يبحث في نبرتها عن معنى خفي. ما كان تعليقًا عابرًا عند قائله قد يصير سؤالًا طويلًا عند سامعه.

ولا يعني الرفق أن نعد المريض بما لا نملك، أو نطالبه بالتفاؤل كلما حاول أن يبوح بخوفه. فحتى العبارات المطمئنة قد تضيق به إذا أغلقت عليه باب الشكوى. من حقه أن يقول إنه متعب، وأن يقلق، وأن يصمت، من غير أن يضطر إلى تجميل حاله كي يريح زائريه. وأحيانًا تكون المواساة في أن نسمع ما يؤلمه حتى آخره، دون أن نقاطعه بحكمة جاهزة.

وربما بدأت المواساة بسؤال نطرحه قبل الخروج من البيت: ما الذي أستطيع أن أخففه عنه اليوم؟ قد تكون الإجابة حاجةً نقضيها، أو مساعدةً لأهله، أو حضورًا قصيرًا لا يكلّفه حديثًا ولا مجاملة. وقد تكون تأجيل الزيارة حين يحتاج إلى الراحة. فليس القرب مسافة نقطعها إلى سريره فحسب؛ إنه انتباهٌ لما يحتمله، وما يرجوه، وما يعجز عن طلبه.

وقد يكفي أن نتريّث لحظة، فلا نضيف إلى قلبٍ مثقل حكايةً مخيفة أو نصيحةً متعجلة.

قبل أن نغادر غرفة المريض، لنسأل أنفسنا عمّا سنتركه فيها. يكفي أن يجد بعدنا مساحةً أهدأ، وأن يشعر بأنه محبوب من غير أن يكون مطالبًا بشيء. فحين يُغلق الباب وتنحسر الأصوات، تبقى للكلمة حياة أخرى بجوار السرير؛ فلنترك إلى جواره كلمةً تؤنسه حين يبقى وحده.