ينتهي أكتوبر.. فمن يبقى مع المريضة؟
بعد أيام ينتهي أكتوبر، وتُطوى كثير من الأشرطة الوردية، وتتغير صور الحسابات، وتفسح حملات التوعية بسرطان الثدي مكانها لمناسبات أخرى. لكن امرأة ما ستستيقظ في نوفمبر على موعد علاج جديد، وأطفال ينتظرون إفطارهم، ومسؤوليات يومية، وخوف لا ينتهي بانتهاء شهر التوعية.
قد تكون هذه المرأة زميلتنا التي غابت أيامًا ثم عادت مبتسمة، أو قريبتنا التي تقول: «الحمد لله، أنا بخير». نسمع الإجابة فنطمئن، بينما قد تختبئ خلفها احتياجات لم تجد صاحبتها طريقة لطلبها.
للتوعية قيمتها، وللكشف المبكر أهميته، ولكل جهد يسهم في تعزيز المعرفة والتشخيص والعلاج أثر يستحق التقدير. لكن السؤال الذي يبقى بعد انتهاء الفعاليات هو: كيف نساند المريضة في حياتها اليومية؟ كيف تصل إلى موعدها؟ ومن يساعدها في مسؤولياتها الأسرية حين تتراجع قدرتها على أداء ما اعتادت عليه؟
حين يدخل المرض بيتًا، تتغير تفاصيل كثيرة؛ يتبدل إيقاع الأسرة، وتُعاد حسابات الوقت والمصروف، بينما تظل المسؤوليات قائمة. وقد تنشغل المريضة بمن يرعى أطفالها أثناء العلاج، أو بكيفية ترتيب عملها وغيابها. وبعض هذه الأعباء يمكن تخفيفه بترتيب عائلي أو إجراء عملي واضح.
نقول للمريضة كثيرًا: «كوني قوية». نقولها بمحبة، لكننا قد نحمّلها عبئًا إضافيًا حين ننتظر منها التماسك الدائم وطمأنتنا بابتسامة. وربما كانت تحتاج إلى البكاء أو الصمت أو التعبير عن إرهاقها دون نصائح متعجلة.
الإيمان والأمل مصدران للعون، وللخوف والحزن مكانهما في التجربة الإنسانية أيضًا. تستطيع المرأة أن تكون مؤمنة وراضية، وأن تقلق على مستقبلها وأسرتها في الوقت نفسه. وحين نتيح لها التعبير دون أحكام، نمنحها مساحة لطلب ما تحتاج إليه فعلًا.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية، في تقريرها عن الروابط الاجتماعية الصادر عام 2025، أهمية تعزيز التواصل والحد من العزلة والوحدة لما لذلك من أثر في الصحة والرفاه. وهذا يعزز أهمية المساندة الاجتماعية بوصفها جانبًا يستحق الاهتمام المستمر.
ومن هنا يأتي دور المؤسسات وأصحاب العمل في توفير إجراءات واضحة تراعي ظروف الموظفة التي تمر بتجربة مرضية، أو الموظف الذي يرعى أحد أفراد أسرته، مع حفظ الخصوصية ومراعاة طبيعة العمل. وقد تسهم مرونة المواعيد، أو ترتيب تغطية المهام مؤقتًا، أو إتاحة العمل عن بُعد حيثما أمكن، في تخفيف الأعباء.
وللجهات المعنية بالقطاع غير الربحي دور فاعل في تشجيع الممارسات الداعمة، وتطوير الأدلة الإرشادية، وتمكين الجمعيات من تقديم خدمات مساندة يسهل الوصول إليها. كما تستطيع مجموعات الدعم توفير مساحة للإنصات وتبادل الخبرات، مع احترام الخصوصية وإحالة الاستفسارات الطبية إلى المختصين.
ولا ينبغي أن تقتصر المساندة على المريضة وحدها؛ فالزوج والابنة والأخت وغيرهم ممن يتولون الرعاية قد يحتاجون إلى الراحة والمعلومة والمساعدة. وفي البيت، قد يكون السؤال المحدد أكثر فاعلية من الوعد العام؛ كأن يتولى أحدهم إيصال الأطفال أو مرافقة المريضة إلى موعدها، مع احترام رغبتها في الصحبة أو الهدوء.
مع اقتراب نهاية أكتوبر، لعل السؤال الأهم لكل أسرة وجهة عمل وجمعية هو: ما الذي سيستمر بعد انتهاء الحملة؟ ربما كان موعدًا يسهل الوصول إليه، أو إجراءً يختصر المشقة، أو مساعدة أسرية ثابتة.
ستنتهي الأشرطة الوردية من واجهات كثيرة، وستبقى نساء يحتجن إلى من يرافقهن في بقية الطريق. وربما كانت أصدق رسائلنا إليهن أن تجد المريضة مساحة تقول فيها: «أنا متعبة اليوم»، مطمئنة إلى أن من حولها سيمنحونها فرصة للراحة.












