آخر تحديث: 29 / 10 / 2026م - 6:22 م

المُعَسَّل يَجمَعُنا!

هاشم الصاخن *


انتشرت الشيشة خلال العقدين الماضيين في مجتمعاتنا الخليجية انتشار النار في الهشيم، حتى أصبحت ضيفًا دائمًا في كثير من المجالس والديوانيات والمقاهي، بل تحولت في بعض اللقاءات إلى ضيف رئيسي يصعب أن تكتمل الجلسة في غيابه.

ومن البداية، دعونا نتفق على أننا لن نتناول أضرار الشيشة الصحية، فقد أصبحت معروفة للصغير والكبير، وربما يعرفها من يبلغ الخامسة من عمره كما يعرفها من تجاوز المائة، وليس هذا ما نريد الحديث عنه اليوم.

ما يشغلنا هنا ظاهرة اجتماعية تستحق شيئًا من التأمل، وهي تلك اللقاءات المتكررة بين الأصدقاء التي أصبحت الشيشة حاضرة فيها بصورة لافتة، حتى بات من المشروع أن نتساءل: هل الأصدقاء هم الذين يجتمعون حول الشيشة، أم أن الشيشة هي التي تجمع الأصدقاء؟

ولعل السؤال الأكثر طرافة: لو غابت الشيشة عن المجلس، فهل سيحضر الأصدقاء بالحماس نفسه، ويجلسون بالساعات الطويلة نفسها، أم أن لهذه الشيشة فضلًا في استمرار بعض هذه اللقاءات أكثر مما نتصور؟

في بعض المجالس والديوانيات والمقاهي، اعتاد الأصدقاء الاجتماع بصورة شبه يومية، وربما استمرت هذه اللقاءات عشر سنوات أو أكثر، بالوجوه نفسها والأحاديث المتجددة أحيانًا والمتكررة أحيانًا أخرى، حتى إن مكان جلوس كل واحد منهم أصبح معروفًا للجميع، وكأنه نُصب تذكاري دائم له، بينما تبقى الشيشة العنصر الأكثر انتظامًا في الحضور!

ولعل الشيشة أصبحت من الحاضرين الدائمين إلى درجة أننا لو سألنا أحدهم عن عدد وجبات العشاء التي ينبغي طلبها للمجتمعين، فقد يضيف وجبة أو وجبتين للشيشة أيضًا، باعتبارها من ضيوف المجلس الدائمين الذين لا يصح تجاهلهم عند طلب العشاء!

ولنتخيل أن أحد هذه المجالس قرر الاستغناء عن الشيشة لأسبوع واحد فقط، دون تغيير المكان أو الموعد أو الأصدقاء. فهل ستبقى أعداد الحاضرين كما هي؟ وهل ستستمر الجلسات لساعات طويلة كما اعتادوا، أم سنكتشف أن بعض الارتباطات العائلية والمواعيد المؤجلة بدأت تظهر فجأة؟

وهنا يظهر الفرق بين مجلس يجتمع فيه الأصدقاء وتكون الشيشة أحد الحاضرين، ومجلس أصبحت فيه الشيشة شرطًا لاكتمال الاجتماع.

والأطرف من ذلك أن بعض الأصدقاء قد يتغيب عن المجلس فلا يتغير موعد الاجتماع، أما إذا غابت الشيشة، فقد يبدأ البحث عن مكان بديل قبل أن يبدأ البحث عن الصديق الغائب!

وليس المقصود التشكيك في صدق هذه الصداقات أو التقليل من قيمتها، وإنما التأمل في تلك العادات التي ترافق لقاءاتنا حتى تصبح مع مرور الزمن جزءًا أساسيًا من استمرارها، وربما أكثر تأثيرًا من اللقاء نفسه.

لنتخيل مجموعة من الأصدقاء اعتادوا الاجتماع بصورة شبه يومية طوال خمسة عشر عامًا. لو أحصينا عدد لقاءاتهم لوجدنا أنها قد تجاوزت خمسة آلاف جلسة، أي آلاف الساعات التي قضوها معًا، والشيشة تتوسطهم، شاهدة على أحاديثهم ونقاشاتهم، وربما أصبحت أكثر معرفة بأخبارهم من بعض أفراد أسرهم!

خمسة آلاف جلسة! رقم يستحق التأمل، خصوصًا إذا تساءلنا عن حصيلة هذه اللقاءات الطويلة. خلال تلك السنوات رحل عن الدنيا بعض الأصدقاء، وانضم إلى المجلس أصدقاء جدد، وتغيّرت وجوه وبقيت وجوه، أما الشيشة فظلّت من أكثر الحاضرين انتظامًا، وظلّت شامخة كالجبال ولم تمت! ووسط كل هذه السنوات، كم فكرة نافعة خرجت من تلك اللقاءات؟ وكم مبادرة اجتماعية وُلدت خلالها؟ وكم مشكلة ساهم المجتمعون في حلها؟ وكم موضوعًا أعادوا مناقشته عشرات المرات، ثم انتهوا في كل مرة إلى النتيجة نفسها؟

ولعل أحدهم لو طُلب منه أن يتذكر أبرز ما تحقق خلال هذه السنوات، لاحتاج إلى وقت طويل للتفكير، لكنه قد لا يحتاج إلى أكثر من ثوانٍ معدودة ليعدد أنواع الشيشة التي جربها، والمقاهي التي ارتادها، وأسماء العاملين الذين كانوا يعدونها له!

ومع ذلك، لا نقول إن قيمة اللقاءات تقاس بعدد الإنجازات، فالجلوس مع الأصدقاء وتبادل الأحاديث والضحك معهم له قيمة اجتماعية ونفسية لا ننكرها. ولكن ألا تستحق هذه السنوات الطويلة، وآلاف الساعات التي مضت، أن يكون لبعضها أثر يتجاوز حدود المجلس؟

وقد لا تخلو بعض هذه اللقاءات من أحاديث تتكرر وموضوعات يعاد طرحها، حتى إن أحد الأصدقاء قد يستطيع إكمال حكاية صاحبه قبل أن ينتهي منها، لا لسرعة بديهته، وإنما لأنه سمعها عشرات المرات! وبالعامية، قد يقاطعه أحد الحاضرين قائلًا: يا أخي، هذي السالفة قلتها مية مرة!

ولا عيب في استعادة الذكريات والأحاديث العفوية، فهي جزء من متعة اللقاء، ولكن حين تمتد هذه المجالس لسنوات طويلة، أليس من الجميل أن يكون لبعض ساعاتها أثر نافع يتجاوز حدود المجلس؟

ولنكن منصفين، فإن اجتماع الأصدقاء والمحافظة على التواصل بينهم أمر جميل، خصوصًا أن لقاءاتهم في ساعات المساء تكون في الغالب متنفسًا لهم بعد يوم طويل من العمل والمسؤوليات وضغوط الحياة، وفرصة لتفريغ الشحنات السلبية واستبدالها بأجواء إيجابية من الألفة والمرح والراحة النفسية. وليس مطلوبًا أن تتحول هذه المجالس إلى ندوات ثقافية أو اجتماعات رسمية، ولا أن تخرج كل جلسة منها بفكرة أو إنجاز، ولكن ما أجمل أن يستثمر الأصدقاء بعض هذه اللقاءات في تبادل خبرة نافعة، أو مساعدة محتاج، أو إطلاق مبادرة اجتماعية بسيطة، دون أن يفقد المجلس عفويته أو متعة اللقاء فيه، ومع وجود الشيشة أيضًا.

وفي الختام، لسنا بصدد محاسبة الأصدقاء على عدد لقاءاتهم، ولا على الطريقة التي يقضون بها أوقاتهم، وإنما ندعو إلى التأمل في تلك العادات التي قد تصبح مع مرور السنوات جزءًا لا يتجزأ من علاقاتنا الاجتماعية.

فالصداقة الحقيقية تستحق أن تستمر بحضور الشيشة أو غيابها، وأن يكون للأصدقاء من الأثر الجميل في حياة بعضهم ما هو أبقى من دخان يتصاعد ثم يتلاشى.

ويبقى السؤال الذي نترك إجابته لأصحاب هذه المجالس: لو قررت الشيشة أن تأخذ إجازة لمدة شهر، فهل ستستمر لقاءاتكم بالحضور والحماس نفسيهما، أم ستكتشفون أن عنوان مقالنا كان أقرب إلى الحقيقة مما تتصورون؟

المُعَسَّل يَجمَعُنا!

سيهات