آخر تحديث: 29 / 10 / 2026م - 1:38 ص

حقوق لا تُساوَم

الدكتور ماهر آل سيف *


هل أصبح المستهلك مطالبًا باستلام طردٍ لا يعلم سلامة محتواه، والتوقيع على تسلّمه دون أن يطمئن إلى حاله؟ وهل يجوز أن تتحول تعليمات بعض شركات التوصيل إلى سلطة تتقدم على حقوق المستهلك، فيُمنع من السؤال، ويُرفض منه الفحص، ويُقابل أحيانًا بسوء التعامل والاستخفاف؟

لقد تعرضت شخصيًا، ولأكثر من مرة، لمواقف رفض فيها مندوبو توصيل السماح لي بفتح الطرد وفحص محتوياته قبل تأكيد الاستلام. وما يثير الاستغراب أن بعض المندوبين يتعاملون مع هذا الطلب المشروع من حيث الحرص على سلامة المشتريات وكأنه تجاوز، لا إجراء احتراز!

والأنظمة في المملكة وُضعت لحماية الحقوق، لا لتعليقها على الأبواب، ولا لتجاوزها باجتهادات الموظفين والأصحاب.

فقد نصت المادة الثامنة والستون، الفقرة الثانية، من اللائحة المنظمة لنشاط نقل البضائع ووسطاء الشحن، على الآتي:

«يكون للمرسل إليه الحق في فحص البضاعة محل النقل عند تسلمه لها للتحقق من سلامتها فإذا امتنع الناقل عن تمكينه من ذلك جاز له رفض تسلم البضاعة».

وهذا النص يتعلق بنشاط نقل البضائع، أما الطرود البريدية فتحكمها أنظمة خاصة. وقد أكدت الهيئة العامة للنقل، في دليل حقوق مستفيدي خدمات الطرود البريدية، حق المستفيد في التأكد من سلامة الشحنة قبل استلامها. ومع ذلك، فإن مدى شمول هذا الحق لفتح التغليف وفحص المحتويات يحتاج إلى بيان تنظيمي صريح، يرفع الالتباس ويمنع اختلاف الاجتهادات.

وهنا نطالب الهيئة العامة للنقل بإصدار توضيح ملزم ومعلن، يحدد حدود الفحص وإجراءاته، وما يحق للمندوب رفضه أو السماح به، حتى لا تضيع الحقوق بين التعليمات والتفسيرات.

كما نطالب بمحاسبة كل شركة تثبت مخالفتها للأنظمة، ومساءلة من يسيء التعامل مع العملاء؛ فكرامة المستهلك ليست مجالًا للمساومة، واحترامه ليس تفضلًا من شركة أو مندوب.

ولرفع الالتباس، فإن شكاوى خدمات الشحن والطرود البريدية تُقدَّم أولًا إلى الشركة، ثم تُصعَّد إلى الهيئة العامة للنقل عند عدم معالجتها أو عدم الرضا عن نتيجتها. أما الشكاوى المتعلقة بالبائع والسلعة والإخلال بالتزامات المتجر، فتدخل في اختصاص وزارة التجارة بحسب طبيعة المخالفة.

وأدعو المستهلكين إلى عدم التهاون في حقوقهم؛ افحصوا شحناتكم بالقدر المسموح نظامًا، ولا تؤكدوا سلامتها قبل التحقق منها، ووثّقوا أي رفض أو إساءة، واطلبوا إثبات تحفظكم أو إعادة الشحنة وفق الإجراءات المعتمدة، ثم تقدموا بشكاواكم إلى الجهات المختصة.

فالمستهلك الواعي شريك في الرقابة، والبلاغ المسؤول سند للعدالة، وتطبيق النظام حماية للتجارة، وصيانة للكرامة.

إننا لا نطالب بامتياز فوق النظام، بل بحق يكفله النظام؛ ولا نبحث عن خصومة مع الشركات، بل عن خدمة تحفظ الحقوق، وتحترم الإنسان، وتصون الثقة في قطاع حيوي يخدم الوطن والمواطن.