آخر تحديث: 27 / 10 / 2026م - 8:12 م

حين انتصر الخوف... وخسرت المروءة!!

عبد الله صالح الخزعل


كنت أستمع إلى أحدهم في إحدى وسائل التواصل الاجتماعي يروي موقفًا مرّ به في موقف للسيارات. قال إنه شاهد فتاة تحاول ركن سيارتها، ومن خلال حركتها أدرك أنها لم تنتبه إلى سيارة مجاورة، وأن الاصطدام بها يكاد يكون مؤكدًا. همّ أن ينبهها، ثم تراجع خوفًا من أن تُساء نيته أو يُتهم بالتحرش. وبعد لحظات وقع ما توقعه تمامًا، فاصطدمت السيارة بالسيارة المجاورة، وحدث الضرر الذي كان يمكن أن تمنعه كلمة عابرة أو إشارة بسيطة.

هذه القصة ليست عن حادث بين سيارتين فحسب، بل عن صراع خفي بين الإنسانية والخوف. فالمجتمعات لا تقوم على الأنظمة والقوانين وحدها، بل تقوم أيضًا على المروءة والتعاون والشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين. وحين يرى الإنسان خطرًا يمكنه منعه ثم يختار الصمت، فإن شيئًا من روح التكافل يفقد بريقه.

صحيح أن زمننا امتلأ بالمخاوف وسوء الظنون، حتى أصبح بعض الناس يترددون في أداء المعروف خشية أن يُساء فهمهم، لكن الخوف من التأويل لا ينبغي أن يتحول إلى عذر دائم للتخلي عن الواجب الأخلاقي. فالخير الذي لا يُفعل أحيانًا يترك في النفس من الندم ما لا يتركه الخطأ نفسه.

ومن منظور ديني وإنساني، فإن النصيحة ودفع الضرر من أسمى القيم. فالمؤمن لا يقف متفرجًا عند قدرةٍ على النفع، بل يبادر بما يستطيع من كلمة طيبة أو تنبيه محترم أو إشارة تمنع أذى كان وشيكًا.

والحقيقة التي يغفل عنها البعض أن الناس غالبًا يميزون بين النيات أكثر مما نتصور. فالمتحرش، مهما أتقن التخفي، تفضحه تصرفاته ومقاصده، أما الصادق فتشهد له عفويته واحترامه وحدود تعامله. فالخبث له علامات، كما أن للصدق نورًا لا يخطئه القلب السليم.

إن المشكلة ليست في أن هناك من يسيء، بل في أن نسمح لإساءته بأن تسلب المجتمع فضيلة المبادرة إلى الخير. فلو تراجع كل إنسان عن فعل المعروف خوفًا من الظنون، لتحول الناس إلى مجرد متفرجين على أخطاء كان يمكن تجنبها.

وفي النهاية، يبقى المتحرش معروفًا مهما كان خبيثًا، ويبقى الصادق معروفًا مهما كان عفويًا وتلقائيًا. وبينهما تظل المروءة لغةً يفهمها جميع البشر، وتبقى كلمة صادقة في وقتها أحيانًا أعظم أثرًا من ألف اعتذار بعد فوات الأوان.