أبو جعفر الزاير.. وجهٌ ألفه مسجد المهدي المنتظر (عج) بالجش وافتقده روّاده

كلمة وفاء ورثاء في رحيل الأستاذ محمد الزاير «أبو جعفر»
ليس كل رحيلٍ ينتهي عند الغياب؛ فبعض الأشخاص يتركون في الأماكن التي ألفوها أثرًا يبقى حاضرًا في الذاكرة، وتفاصيلَ تستعيدها القلوب كلما مرّت بها الأيام. هكذا كان رحيل الأستاذ محمد الزاير، المعروف ب«أبو جعفر»، الذي غادر هذه الدنيا يوم الاثنين، تاركًا حزنًا في نفوس أهله ومحبيه وروّاد مسجد المهدي المنتظر بالجش، الذين ألفوا حضوره حتى أصبح جزءًا من ذاكرة المكان وألفته.
ارتبط أبو جعفر بالمسجد ارتباطًا وثيقًا، وكان من المواظبين على صلاة الجماعة، ومن المشاركين في رفع الأذان وتلاوة القرآن الكريم، ولا سيما في ليالي القدر التي حرص على إحيائها عامًا بعد عام. كما عُرف بحبه للإمام الحسين
، وتأثره بمصابه في المجالس الحسينية، حيث كانت دموعه تعبيرًا صادقًا عن تعلقه بأهل البيت
ومحبتهم.
وكانت له عادات طيبة أصبحت جزءًا من ذكراه؛ فقد اعتاد الحضور يوم الجمعة قبل الصلاة متطيّبًا بالعطر، ويحمل الطيب ليوزّعه على المصلين، ناشرًا بينهم عبيره وابتسامته في لفتة تعبّر عن محبته وكرمه وحسن معشره. ومع مرور الأيام، غدت هذه المبادرة البسيطة علامةً مألوفة من علامات حضوره، حتى أصبح استذكارها اليوم مقرونًا بالشوق إليه.
ولم تقتصر ذكرياتنا معه على أجواء العبادة والمناسبات الدينية، بل امتدت إلى اللقاءات الودية التي كانت تجمعه بالأحبة عقب الصلاة أو انتهاء المجالس الحسينية. هناك، حول فنجان القهوة، كان يشارك الجميع أحاديثهم ومزاحهم بروحه المرحة وابتسامته التي لا تفارق محيّاه، فيضفي على اللقاءات دفئًا وألفة. كانت تلك اللحظات امتدادًا لعلاقته الطيبة بروّاد المسجد، وشاهدًا على بساطته ومحبة من حوله له.
واليوم، حين يُرفع الأذان، نستذكر صوته، وحين تُقام المجالس الحسينية، نتذكر دموعه، وقبل صلاة الجمعة نفتقد حضوره وهو يوزّع الطيب على المصلين. وفي لقاءات الأحبة، تبقى ابتسامته وأحاديثه حاضرة في الذاكرة، وتذكّرنا بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يتركه من أشياء، بل بما يزرعه في القلوب من محبة وأثر طيب.
لقد كان أبو جعفر محبًا للمسجد وأهله، داعمًا لأنشطته، حريصًا على المشاركة في مناسباته الدينية والاجتماعية، فترك برحيله فراغًا يشعر به كل من اعتاد رؤيته وشاركه تلك التفاصيل. وما أصعب أن تتحول العادات التي ألفناها إلى ذكريات، وأن نفتقد في الأماكن ذاتها وجوهًا كانت تمنحها الألفة والدفء.
رحمك الله يا أبا جعفر؛ لم نكن نعلم أن صوتك في الأذان، ودموعك على الحسين، وابتسامتك بين الأحبة، وطيب العطر الذي كنت توزّعه على المصلين صباح كل جمعة، ستصبح ذكريات نستعيدها بقلوب يعتصرها الحنين. رحلت عن أعيننا، لكن سيرتك الطيبة ستظل حاضرة في ذاكرة مسجد المهدي المنتظر ، وفي قلوب كل من عرفك وأحبك.
رحم الله الأستاذ محمد الزاير «أبا جعفر» رحمةً واسعة، وجعل طيب أثره شاهدًا له، وذكراه الطيبة باقيةً في قلوب محبيه. ستبقى يا أبا جعفر وجهًا ألفه مسجد المهدي المنتظر بالجش وافتقده روّاده، واسمًا تقترن به الدعوات الصادقة كلما اجتمع الأحبة في المكان الذي شهد حضورك وعطاءك.















