حين يرتدي الكِبر ثوب التواضع

قد يجلس الإنسان في آخر المجلس، لا تواضعًا، بل انتظارًا لمن يدعوه إلى صدره! وقد يخفي إنجازاته، لا زهدًا في الظهور، وإنما رغبةً في أن يتحدث الآخرون عنها نيابةً عنه. هنا تكمن مفارقة أخلاقية تستحق التأمل: قد يتخلى الإنسان عن مظاهر الكِبر، لا لأنه تخلّص منه، بل لأنه وجد في التواضع طريقًا آخر لإشباعه. والأعجب أن الإنسان قد لا يكون مدركًا لهذه الخدعة؛ فقد يعتقد أنه متواضع حقًا، بينما يستمد من تواضعه شعورًا خفيًا بالتفوق على الآخرين. فالتواضع ليس مجرد سلوك ظاهر، وإنما صفة تستقر في أعماق النفس، وقد تتشابه الأفعال بينما تتباين دوافعها؛ إذ ليس كل من تواضع في سلوكه متواضعًا في نفسه.
يُعدّ تقبّل النقد من أدق المواقف التي تكشف شيئًا من حقيقة التواضع. فقد يستمع الإنسان إلى ناقده مبتسمًا، ويشكره على ملاحظاته، ويُظهر رحابة الصدر، بينما تضطرب نفسه غضبًا واستياءً مما يسمع. وما إن يغيب الناقد حتى يبدأ في الانتقاص من فهمه والتشكيك في معرفته، وربما استحضر عيوبه ليصرف النظر عن صحة نقده. وليس كل نقد صائبًا، كما أن التألم منه لا يعني بالضرورة التكبّر؛ وإنما يظهر الكِبر حين يدرك الإنسان صحة النقد، ثم يرفض الاعتراف بخطئه، لا لضعف الحجة، بل لأن نفسه تستثقل أن تكون الحقيقة قد جاءت على لسان غيره. ولعل المسألة أعمق من مجرد التظاهر أمام الناس؛ فقد يعتقد الإنسان أنه متواضع لأنه يُحسن الإصغاء، بينما لا يسمح لما يسمعه بأن يغيّر شيئًا من قناعاته أو سلوكه. فهل التواضع أن نسمح للآخرين بالكلام، أم أن نسمح للحقيقة بأن تغيّرنا، أيًّا كان قائلها؟
تكمن صعوبة الحكم على التواضع في أن الأفعال ظاهرة، أما الدوافع فخفية. وقد يكون تغيّر الإنسان بعد النقد قرينةً على تواضعه، لكنه لا يكشف لنا يقينًا حقيقة ما في نفسه. والأعجب أن النفس قد تبلغ من القدرة على خداع صاحبها حدًّا يجعلها تتخذ من الفضيلة نفسها سببًا للشعور بالتفوق؛ فيرى الإنسان أنه أفضل من غيره لأنه أكثر تواضعًا منهم، فتتحول الفضيلة التي يُفترض أن تحرره من الكِبر إلى سبب جديد له. ولستُ أدري إن كنتُ أنا نفسي بمنأى عن هذه الخدعة؛ فحتى وأنا أكتب عن التواضع، أتساءل: أأكتب ابتغاء الحقيقة، أم رغبةً خفية في أن يراني الناس متواضعًا؟ لا أدري، فالنفس أعقد من أن يسبر الإنسان أغوارها، وربما كنتُ أحذّر من خدعة التواضع وأنا واقع فيها!












