آخر تحديث: 27 / 10 / 2026م - 12:00 ص

عودة سهم الفقر إلى أوروبا

الدكتور ماهر آل سيف *


أرادت أوروبا يومًا أن تستخرج من أفريقيا كنوز الأرض، وأن تستأثر بخيراتها وثمرات كدحها، فشهد التاريخ استعمارًا استنزف الموارد، وأثقل الشعوب بالقيود. وكانت فرنسا من أبرز القوى الاستعمارية التي امتد نفوذها الاقتصادي في القارة السمراء، حتى بعد انحسار سلطانها السياسي. فهل ارتدّ السهم إلى القوس، وأصبح من عرف الوفرة بالأمس يشكو ضيق العيش اليوم؟

ها هي فرنسا تضجّ بالاحتجاجات، وتمتلئ شوارعها بالهتافات، وترتفع أصوات المطالبين بالحقوق والخدمات؛ يشكون غلاء المعيشة، وضيق الموارد، وتراجع القدرة على الوفاء بالحاجات. وما تشهده باريس اليوم جرس إنذار يتردد صداه في بعض العواصم الأوروبية.

ألم تتعلم أوروبا من صفحات تاريخها؟ ألم تكن الثورة الفرنسية عام 1789 شاهدًا على أن الجوع إذا اجتمع بالظلم، وأن الغلاء إذا اقترن بانسداد الأمل، أصبح الغضب نارًا يصعب إخمادها؟

ولعل أبلغ ما يُقال في فلسفة الشعوب: قد يصبر الإنسان على ضيق الرزق، لكنه لا يصبر على ضياع الحق؛ وقد يحتمل الفقر، لكنه لا يحتمل أن يرى ثراء القلة قائمًا على شقاء الكثرة.

إن الرأسمالية حين تنفصل عن العدالة، وتُقدّم الأرباح على الأرواح، وتُعلي حسابات الأسواق فوق حاجات الناس، تتحول من وسيلة للبناء إلى سبب للشقاء، ومن أداة للنماء إلى باب لاتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء.

وليس من الإنصاف تحميل الرأسمالية وحدها كل الأوزار؛ فالديون والأزمات الدولية واختلال السياسات عوامل تتداخل في صناعة الأعباء. لكن السؤال الأهم: لماذا يدفع المواطن البسيط فاتورة الاختلال، بينما يجد أصحاب الثروات من الوسائل ما يحمي أموالهم من الزوال؟

إن أخطر ما تواجهه الأمم ليس فقر الخزائن، بل فقر العدالة؛ وليس ارتفاع الأسعار وحده، بل انكسار الرجاء في مستقبل الأجيال.

فالجائع قد يطلب الخبز اليوم، لكنه غدًا قد يطالب بتغيير المنهج كله.

فهل تعيد أوروبا قراءة تاريخها قبل أن تتكرر آلامه؟ وهل تدرك أن ازدهار الأوطان لا يُقاس بثراء القصور، بل بكرامة الإنسان، وأمن البيوت، وعدالة توزيع الثمار؟

فالأوطان لا يحميها غنى الأغنياء إذا غاب عنها اطمئنان الفقراء.