قبل أن يهدأ النبض.. اجعل حضورك عطرًا لا يزول

يمرّ العمر كإشراقة شمس دافئة في صباح شتويّ؛ مفعم بالجمال لكنه لا ينتظر أحدًا. وفي زحام الحياة ومشاغلها، نركض وراء ما نريد تحقيقه، وننسى أن أجمل ما نملكه ليس ما نجمعه من حُطام الدنيا، بل ما نزرعه في أرواح من نحب من محبة، وتقدير، وكلماتٍ طيبة.
فكم من قلب حولنا يترقب كلمةً تُسعده! وكم من إنسان يخوض معركةً خفية لا نعلم عنها شيئًا، ولا يحتاج منا سوى ابتسامة صادقة أو عبارة لطيفة تعيد إلى روحه شيئًا من الطمأنينة والإيمان.
فالكلمة الطيبة.. أثرٌ يبتدئ منك
للعبارات أثرٌ يتجاوز لحظة تفوّهنا بها؛ فقد ننطق بكلمة قاسية في سورة غضب ثم ننسى أثرها بعد دقائق، لكنها تظل ندبةً غائرة في نفس من سمعها. وفي المقابل، قد نقول كلمة تقدير عابرة، لا نُملي لها بالاً، دون أن نعلم أنها أضاءت يومًا مثقلًا، أو جبرت خاطراً مكسورًا، أو منحت إنسانًا شعورًا بأنه ليس وحده في هذا العالم.
فما أجمل أن يكون حضورنا بلسمًا يداوي لا جرحًا يؤلم، وأن تترك كلماتنا في القلوب عبقًا لا يزول!
يقول الحكيم الخبير:
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53].
إنها دعوة إلهية جليلة للارتقاء بأخلاقنا، واختيار أحسن القول، وإدراك أن الكلمة إما أن تكون جسرًا يصل بين القلوب، أو حاجزًا يتسع بسببه الخلاف. كم من موقف كان يمكن أن يمرّ بسلام بكلمة هادئة! وكم من سوء فهم كان يزول بلمسة توضيح وحسن ظن! وكم من علاقة راقية تحتاج منا إلى تنازل كريم، أو اعتذار صادق، أو مبادرة شجاعة تعيد إليها دفء المودة.
ليس المطلوب أن نتفق في كل شيء، بل أن نختلف باحترام، ونتعاتب بمحبة، ونحفظ للآخرين كرامتهم حتى في لحظات الانفعال والغضب.
وكما قال الشاعر:
النَّاسُ للنَّاسِ ما دامَ الوَفَاءُ بهِمْ
والعُسْرُ واليُسْرُ أوقاتٌ وساعاتُ
وأكْرَمُ النَّاسِ ما بينَ الورَى رَجُلٌ
تُقْضَى على يَدِهِ للنَّاسِ حاجاتُ
لا تَقْطَعَنَّ يَدَ المَعْرُوفِ عن أحَدٍ
ما دُمْتَ تَقْدِرُ والأيَّامُ تاراتُ
واذْكُرْ فَضِيلَةَ صُنْعِ اللَّهِ إذْ جُعِلَتْ
إليْكَ لا لَكَ عِندَ النَّاسِ حاجاتُ
قد ماتَ قَوْمٌ وَمَا مَاتَتْ فَضَائِلُهُمْ
وَعَاشَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أمْوَاتُ
يا سريع الرضا:
حين نقف عند حقيقة ما نردده في دعاء كميل: ”يا سريع الرضا“، يتقاصر أمامنا كل كبرياء وتتلاشى كل ضغينة.
الله جلّ جلاله، بعظمته وقدرته وجلاله، وخالق الكون وما فيه، هو ”سريع الرضا“ عن عباده؛ يقبل اليسير من التوبة، ويغفر الكثير من الزلات، ويتجاوز عن الأخطاء بلمح البصر، ألا يليق بنا نحن البشر الضعفاء المحتاجون لعفوه أن نتخلق بأخلاق محمد وآل محمد ونلبي النداء القرآني العظيم:
﴿... وَ لكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَ بِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: 79]
لماذا تقسو قلوبنا على بعضنا بعضًا، ونتحامل في الخصومات، وندقق في الهفوات، وننتظر أطول الأوقات لنرضى ونصفح، بينما ربُّ العزة يسرع إلى رضا عبده بأدنى إنابة.
عندما نقف أمام المقابر، تنجلي هذه الحقيقة أكثر، وتصغر في أعيننا الماديات وكل أسباب الخصام؛ فندرك أن العناد وسوء الظن أصغر من أن نضحي لأجلهما بالمودة والرحمة.
ورد عن أمير المُؤمِنينَ عَلِيٌّ بن أبي طالب «عَلَيهِ السَّلَامُ» فِي وَصْفِ الْمُتَّقِينَ:
«عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ».
فالله سبحانه لا تُدركه الأبصار فيكون عظيمًا في قلوبنا، وما دونه مرئيٌ فمهما كَبُر فهو صَغير. فليكن تعاملنا مع الجميع لله وفي الله، لا انتصارًا للنفس ولا تأثرًا بسوء تصرفات الآخرين.
قال الله تعالى:
﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
كلماتك جزء من صحيفة أعمالك. وقبل أن ترد على من أغضبك أو تتسرع في حكمك، امنح نفسك لحظة سكون واسألها: هل ستصنع كلمتي خيرًا أم تزيد الخلاف؟ وهل أستطيع إيصال مقصدي دون أن أجرح قلبًا؟
إن ضبط النفس عند الغضب، واختيار اللطف عند الاختلاف، والاعتذار عند الخطأ، ليست من مظاهر الضعف، بل هي ذروة القوة ونضج الأخلاق.
قل الكلمة الطيبة، وأظهر المحبة، وامنح التقدير، وبادر بالصلح. فالحياة فرصٌ خاطفة، والأعمار بيد الله، ولا أحد يعلم كم بقي له ولأحبته. لا تجعل أجمل كلماتك تأتي بعد فوات الأوان؛ فقد تكون كلمة تقولها اليوم هي أطهر ما يسمعه قلب، وأطيب أثرٍ تتركه في هذه الحياة.
وإذا رحل أحد أحبتك، فادعُ له بالرحمة، واسأل الله أن يحشره مع محمد وآل محمد في جنان الخلد والنعيم المقيم، واجعل من ذكراه الطيبة مشعلًا لنشر الأخلاق التي أحببتها فيه.












