مؤسساتنا.. قراراتنا

كل ما نحن عليه اليوم هو أثر لقرارات اتخذناها بالأمس، وكل ما سنكون عليه غداً هو نتيجة قرارات نتخذها اليوم: بدءاً من القرارات البسيطة المتعلقة بعاداتنا وعلاقاتنا وأسلوب حياتنا، وصولاً إلى القرارات المصيرية كاختيار العمل وشريك الحياة والتخصص... التي قد تُشكل مفترق طرق في حياتنا، والمؤسسات هي كذلك تتشكل عبر سلسلة من القرارات الإدارية التي ترسم ملامح حاضرها وتحدد مسار مستقبلها، بل وتؤثر في قدرتها على تحقيق أهدافها واستمراريتها في بيئة العمل.
ونحنُ، أفراداً ومؤسسات، نواجه خيارات متجددة كل يوم، سواء أدركنا ذلك أم لم ندرك، فكل اختيار نُقدم عليه أو كل فرصة نتردد في اغتنامها، يترك أثراً في مسار حياتنا ومستقبل مؤسساتنا.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما القرار؟ وما العوامل التي تقف خلفه، وتوجّه بوصلته؟ وكيف نجعل من قراراتنا قوةً تصنع نجاح الأفراد ونهضة المؤسسات؟
يعرّف ”القرار“ في الفكر الإداري ”بأنه اختيار من بين بديلين أو أكثر، لاتخاذ إجراء أو تحقيق غاية معينة، بناءً على تقييم البدائل المتاحة، والظروف المحيطة، والنتائج المتوقعة“.
وهذا يعني أن القرار ليس مجرد اختيار عابر أو استجابة تلقائية لموقفٍ ما، بل مفاضلة بين احتمالات متعددة تترتب عليها نتائج قد تكون مباشرة أو مؤجلة، وقد تمتد آثارها إلى المستقبل.
فعلى سبيل المثال، لو قرر مديرُ ما تطوير عمله المهني، أو مؤسسته الخاصة، فإنه يمرّ أثناء عملية اتخاذ القرار بمجموعة من البدائل، كالاستمرار في عمله الحالي، أو الانتقال إلى مشروع آخر، أو اكتساب مهارات ومعارف جديدة، ولكل بديل فرصه وتكاليفه ومخاطره المحتملة، الأمر الذي يستدعي دراسة الخيارات وموازنة نتائجها قبل حسم الاختيار.
وهكذا، فإن البديل الذي ينتهي إليه المدير أو صاحب المشروع لا يحدد خطواته فحسب، بل قد يسهم في رسم ملامح مستقبله ومستقبل مؤسسته، فالفجوة بين المؤسسة التي نحلم بها، والمؤسسة التي نصنعها على أرض الواقع، غالبًا ما تبدأ بقرار، وتتسع بقرار، وتُغلق بقرار.
لا تولد القرارات الإدارية في فراغ، ولا تتشكل بمعزل عن البيئة، ولا تعتمد على كفاءة المدير وخبرته وحدهما، بل تقف خلفها مجموعة من العوامل المتداخلة والمتشابكة التي تؤثر في طريقة التفكير، وتحديد الأولويات، ولعل من أبرز هذه العوامل ما يستحق التوقف عنده:
ويُقصد بالثقافة التنظيمية ”مجموعة القيم والمعتقدات والممارسات التي تسود داخل المؤسسة، وتنعكس على طريقة تعامل العاملين مع بعضهم البعض، وهي لا تتشكل من اللوائح المكتوبة وحدها، بل تتكون أيضاً من الممارسات اليومية التي يراها الموظفون ويسمعونها ويتعلمونها من المسؤولين“ فقد تنص اللوائح على أن الكفاءة هي أساس الترقيات، وأن الزيادة في الأجر تكون مقابل بذل المزيد من الجهد والانضباط والتركيز وما إلى ذلك، ولكن الموظفين يلاحظون على أرض الواقع أن الترقيات والزيادات والعلاوات تُمنح أحيانًا كثيرة بناءً على العلاقات الشخصية والمحسوبية، والمجاملة، والقدرة على الالتفاف على الأنظمة لا على العدالة والكفاءة، فيستنتجون أن ما يحدث يختلف تماماً عما تعلنه المؤسسة.
ومن هنا تبرز مسؤولية الإدارة، فالقادة لا يؤثرون في ثقافة المؤسسة من خلال ما يقولونه أو ما يعلنونه أو يتحدثون به من قيم ومبادئ أمام الموظفين فحسب، بل من خلال ما يفعلونه، وما يسمحون باستمراره، وما يُكافئون عليه، وقد عبّر رسول الله ﷺ عن ذلك بقوله: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» وهو مبدأ يؤكد أن المسؤولية الإدارية ليست منصباً يُمارس، بل أمانة تُؤدّى، وأن سلوك المسؤول وممارساته يتركان أثراً فيمن يعملون تحت إدارته.
قد نعتقد أن قراراتنا تُبنى على المعلومات والخبرات والحقائق المتاحة أمامنا فقط، لكننا نغفل أحياناً عن عامل خفي قد يؤثر في طريقة قراءتنا لهذه المعلومات، وتفسيرنا للحقائق، وتقييمنا للخيارات، وهو الحالة المزاجية التي نكون عليها لحظة اتخاذ القرار.
وتُعرّف هذه الحالة بأنها «الحالة العاطفية العامة التي يمر بها الفرد في فترة زمنية معيّنة، وقد تكون إيجابية مثل الفرح، والرضا، والسعادة، وقد تكون سلبية مثل الحزن والغضب والخوف، كما قد تتسم بالهدوء والاستقرار النفسي، بينما يرتبط الانفعال غالباً بموقف أو حدث محدد، كالغضب من تصرف أحد الموظفين أو القلق بشأن نتائج مشروعِ ما.
وعلى الرغم من أن هذه الحالات قد تبدو منفصلة عن الجوانب المهنية، فإنها قد تتسلل إلى طريقة تفكيرنا وتقديرنا فتؤثر في ما نراه مهماً أو في ما نعدّه خطراً.
وهنا تكمن الفكرة، فنحن لا نتعامل دائماً مع المعلومات كما هي، بل قد تتأثر قراءتنا لها بحالتنا النفسية، فالتشاؤم، على سبيل المثال، قد يضيّق مساحة التفكير ويزيد الميل إلى ردود الفعل المتسرعة، في حين قد يدفع التفاؤل المفرط إلى التقليل من التكاليف والعواقب المحتملة، ومع ذلك، لا يعني هذا أن المشاعر السلبية تؤدي حتماً إلى قرارات سيئة، أو أن المشاعر الإيجابية تضمن قرارات سليمة، فالأثر يتوقف على طبيعة الموقف، وشدة الانفعال، ومدى قدرة الشخص على ضبط التأثير.
ولهذا أيضًا، فإن القرارات المصيرية، ولا سيما تلك التي تتعلق بمستقبل العاملين أو التوجه الاستراتيجي للمؤسسة، تستحق التريث عند اشتداد الانفعال، وإعادة فحص المعلومات والبدائل، والاستعانة بمعايير موضوعية أو بآراء مستقلة عند الحاجة.
الضغط الاجتماعي هو الضغط الناتج من علاقات الشخص مع المحيط الاجتماعي الذي ينتمي إليه، والذي يؤثر في سلوكياته واختياراته، سواء أدرك هذا التأثير أم لم يدركه، ويشمل مجموعة من العوامل مثل القوانين والعادات، والتقاليد، والأعراف، والمعايير، والقيم الدينية التي يتم نقلها في المجتمع عن طريق الأسرة والمدرسة والأصدقاء، ومكان العمل، ووسائل الإعلام والثقافة، ووسائل التواصل الاجتماعي مثل «تيك توك وإنستغرام ويوتيوب وفيسبوك» وغيرها، ويمكن أن تكون هذه الضغوط متعمدة أو غير متعمدة، وقد تظهر على شكل تعليمات ونصائح، وقد تظهر لتحقيق مآرب أخرى.
وفي البيئة المؤسسية، قد تظهر الضغوط الاجتماعية في صورة مجاملات، أو توصيات من أصحاب النفوذ، أو تدخل الأقارب والمعارف، وقد يجد المسؤول نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الالتزام بمعايير الكفاءة والعدالة، وإما الاستجابة للضغوط حفاظاً على العلاقات وتجنباً للإحراج، مثل أن يقرر مديرٌ ترقية أحد الموظفين، فتُظهر نتائج التقييم أن موظفاً معيناً هو الأجدر بالمنصب، لكنه يتعرض لضغوط لترقية موظف آخر تربطه ببعض المحيطين به علاقات شخصية، فإذا استجاب لهذه الضغوط، فقد لا يقتصر أثر قراره على حرمان الموظف الأكفأ من حقه فحسب، بل قد يمتد إلى إضعاف ثقة العاملين بعدالة المؤسسة، وتراجع حافزهم إلى الإنجاز.
وهنا تتحول المجاملة من موقف شخصي إلى قرار إداري قد يؤثر في ثقافة المؤسسة ومستقبلها، ولذلك فإن المدير الناجح هو من يستمع إلى الآخرين ويقدّر علاقته بهم، دون أن يسمح لها بأن تتقدم على معايير الكفاءة والعدالة والمصلحة المؤسسية.
فإذا كانت الثقافة التنظيمية ترسم البيئة التي تُصنع فيها القرارات، وكانت الحالة المزاجية تؤثر في طريقة قراءتنا للمواقف، وكانت الضغوط الاجتماعية قد تدفعنا إلى خيارات لا تخدم المصلحة المؤسسية، فإن هناك عاملاً آخر لا يقل أهمية، يتمثل في نوعية المعلومات التي تستند إليها الإدارة، والطريقة التي تفسّر بها هذه المعلومات، وتقيّم على أساسها البدائل المتاحة، فقد تمتلك المؤسسة أو الأفراد معلومات كثيرة، لكنها لا تصل بالضرورة إلى القرار الصحيح، فالمشكلة قد لا تكون في نقص المعلومات أو قلتها، بل في طريقة تفسيرها أو الميل إلى ما يؤيد قناعاتنا المسبقة، وتجاهل ما يُخالفها، وهذا ما يُعرف في علم النفس بالتحيزات المعرفية التي تُؤثر في أحكامنا دون أن ندرك ذلك، وقد كان هربرت سايمون رائداً في الربط بين هذه التحيزات وعملية اتخاذ القرار من خلال مفهوم «العقلانية المحدودة»، الذي يعني أن الإنسان لا يستطيع اتخاذ القرار الأمثل في جميع الحالات بسبب محدودية المعلومات، والوقت، والقدرات الذهنية على تحليل جميع البدائل.
فقد يكوّن مديرٌ انطباعًا سلبياً عن أحد الموظفين بسبب موقف سابق، فيُركّز على أخطائه ويتجاهل إنجازاته، وعندما يحين موعد الترقية، يستند إلى ما يؤكد انطباعه، بدلاً من تقييم أدائه بموضوعية، وهنا يقع في التحيز التأكيدي، الذي قد يحرمه من رؤية الكفاءة الحقيقية، ويؤدي إلى قرار يضر بالموظف والمؤسسة معاً.
والحل، في تصوري، يبدأ بإدراك ما يؤثر في قراراتنا، وعدم الاستسلام للانطباعات أو الانفعالات أو الضغوط التي قد تحيد بها عن مسارها الصحيح، ويمكن بلورة ذلك في مجموعة من الخطوات أهمها: «الاستناد إلى المعلومات الموثوقة وموازنة البدائل وفق أهداف المؤسسة ومصلحتها، وإخضاع القرارات للمعايير الموضوعية بعيداً عن المحاباة والانفعال، والاستعانة بآراء الآخرين، ثم مراجعة النتائج لتصحيح المسار عند الحاجة».
ففي نهاية المطاف، مؤسساتنا هي قراراتنا، وبقدر ما نُحسن صناعة قراراتنا نُحسن صناعة مستقبل مؤسساتنا.












