آخر تحديث: 26 / 10 / 2026م - 5:08 م

الحقد بين ألم الذاكرة وسكينة العفو «1»

ندوب خفية


يُنظَر إلى الجراح البارزة على جسم الإنسان كمواضع ألم تمزقه وتلحق به الأذى، ولكنها - مع ما تحمله من قسوة - فإن هناك جراحًا أشد إيلامًا منها لا يراها أحد ولا يهرع نحوها المسعف بالضماد، وذلك لأنها جراح خفية لا يشعر بوجودها من حولنا، مع ما تحمله من ألم في عمق النفس قد لا يبان أثره على الوجوه ولا يُسمَع له أنين وتأوّه.

وإنما هي ندوب تستقر في النفس ولا تزول لزمن طويل، يبقى أثرها في مسيرة الإنسان وذاكرته التي لا تبرح تئنّ منها. وقد يمضي الإنسان في حياته بصورة تبدو أمام ناظري الناس طبيعية، ولا تخفي من خلفها كومة ألم وهموم ثقيلة، ولكن للناس الظاهر من الأحوال والملامح، ويكفي في حكمهم على أحد بأنه بخير وسلامة بسبب أنه يتحدث ويعمل ويضحك ويقيم علاقات اجتماعية ومهنية لا يبدو منها شيء من أعماقه؛ فحياته هادئة وإيقاعها لا يشي بسوى تحمل مسؤولياته والمهام المتعلقة بأهدافه وتطلعاته.

كما أن الجانب الأسري والاجتماعي عنده يحمل ملامح طبيعية تنبئ عن جلسات مع أهله وأصدقائه، إذ يحوز مكانة في محيطه يشعر بوجوده وحجمه من حوله ومن يتعامل معه، بينما يحمل في داخله قصة قديمة تقبع في دواخله لم تنتهِ فصولها بعد، وما زالت مفاعيلها ضاربة بجذورها في نفسه.

قد تكون تلك القصة كلمة جارحة قيلت في لحظة غضب لم يُراعَ فيها حدود الأدب واللياقة وخط احترام شخصية الآخر، وقد يكون خذلانًا ”انسحابًا هادئًا“ جاء من شخص كان موضع ثقة يبث له خصوصياته وأسراره وطموحاته، فأتته طعنة في الظهر منه أوجعته وأسقطته أرضًا في صدمة عاطفية ثقيلة، أو موقفًا يشعر فيه الفرد بالإهانة أو الظلم أو التجاهل.

والتألم الحقيقي هو ما يحدثه ذلك الموقف المحرج أو المسيء في دواخل الإنسان من انكسار أو خيبة؛ فلا يُقاس حجم الكلمة وموقعيتها إلا بما يبقى عالقًا في الذاكرة ومدى الانفعال بها. ولذا يُقال بأن بعض المواقف والمشاهد المؤلمة تحتاج في التعافي منها إلى إعادة بناء العلاقة مع الماضي ومن ثَمَّ التصالح مع الحاضر؛ فالشفاء النفسي لا يمسح من الذاكرة تلك الصور أو يغيّر من القناعة بمقبولية الإساءة والتجاوز عنها، ولكنه يعني ألا تبقى تلك الإساءة صاحبة السلطة التوجيهية على حاضره في فكره وسلوكه والتأطّر بها.

فإن الخطر الحقيقي لتلك الآلام النفسية الناجمة عن الاحتكاكات والمماحكات في العلاقات الاجتماعية فتولّد جراحًا خفية كندوب في النفس لا يشعر الفرد بخطورتها مستقبلاً عليه وعلى من حوله، إذ إنها تجعل الإنسان يعيد إنتاج الألم في علاقاته الجديدة وكيفية التعامل مع الغير بناءً عليها؛ فيساوره الشك والريبة فيمن ينبغي أن يثق به من خلال مواقف أثبتت جدارته بذلك، ولكنه يفتقر لهذه النتيجة الطبيعية بسبب الخلفيات السابقة والمواقف المسيئة المحفورة في الذاكرة ولا يمكنه التخلص من تبعيتها.

ومن التخبطات الأخرى الناجمة عن الندوب الخفية أنه يبتعد حيث ينبغي له الاقتراب وتبادل مشاعر الاحترام والمودة مع من يستحق. وفي مشهد آخر نراه رهينًا للماضي المؤلم؛ أن يعمل جاهدًا على الدفاع عن نفسه وتقديم التوجيهات والمبررات أمام أشخاص لم يواجهوه بأذية أو إساءة. وقد يتحول الألم غير المعالج إلى حذر مفرط يضيع عليه فرصًا متاحة، أو غضب دائم يسبب له اضطرابًا في علاقاته، أو ينسحب من الساحة الاجتماعية ويميل إلى العزلة، أو يصاب بحساسية شديدة ”غير مبررة“ تجاه كلمات الآخرين.