من عاش بالحيلة مات بالفقر

قد يخرج الإنسان من حيلته رابحًا، فيما يخرج من قلب إنسان آخر إلى الأبد. يحصي ما كسبه من مال أو نفوذ، ولا يلتفت إلى الثقة التي كسرها في الطريق؛ تلك التي لن تعيدها إليه صفقة ناجحة، ولن يشتريها اعتذار متأخر. ومن هذه المسافة بين حساب الربح وحقيقة الخسارة، يمكن أن نقرأ عبارة: «من عاش بالحيلة مات بالفقر».
لا تحمل العبارة حكمًا على الفقراء، ولا تعني أن كل مخادع سينتهي معدمًا؛ فالفقر ليس تهمة، والغنى ليس شهادة نزاهة. إنها تفتح بابًا للتأمل في إنسان يجعل الخداع طريقًا إلى مكاسبه، ثم يغفل عما يدفعه من نفسه ومن علاقاته ثمنًا لهذا الطريق. وقد يكون أفدح فقره أن يبقى المال بين يديه، ولا تبقى يد تمتد إليه بمحبة واطمئنان.
وليس المقصود بالحيلة هنا حسن التدبير، أو براعة الإنسان في تجاوز صعوبات الحياة. المقصود أن يعرف الحق ثم يلتف عليه، وأن يستثمر جهل الآخرين أو طيبتهم ليأخذ ما لا يستحق. أن يمنح وعدًا وهو ينوي نقضه، أو يظهر وفاءً لا يريد منه إلا بلوغ غرضه. هنا تتحول الفطنة إلى أداة أذى، ويصبح الإنسان أمام سؤال أخلاقي لا تجيب عنه مهارته: ما قيمة أن تحسن الوصول، إذا كان وصولك يقتضي ظلم من ائتمنك؟
وقد تغريه الحيلة الأولى بتكرارها. يمر الكذب دون انكشاف، ويصمت صاحب الحق، فيحسب الصمت عجزًا، والنجاة من المواجهة دليلًا على صواب الطريق. وربما لا يسأل نفسه عمّا إذا كان الآخر قد أدرك الخديعة واختار الانسحاب، أو آثر الصمت صونًا لكرامته. فليس كل من لم يواجهنا غافلًا، وليس كل باب بقي مفتوحًا دعوة إلى مزيد من الاستغلال.
وتشتد قسوة الخداع حين يقع على من أحسن. حين يجد إنسان نفسه، بعد سنوات من الدعم والوقوف إلى جانب آخر، مجرد وسيلة انتهت الحاجة إليها. لا تكون خسارته عندئذ فيما بذله وحده، بل في اضطراره إلى مراجعة ما كان يظنه صادقًا: أكانت المودة حقيقية؟ وهل كان القرب محبة، أم انتظارًا لمنفعة؟ تلك الأسئلة بعض ما تتركه الحيلة خلفها، ولا يظهر في حساب من انتفع بها.
أما المخادع، فقد يظن أن ابتعاد الآخرين خسارة يسهل تعويضها. غير أن حضور الناس حوله لا يساوي ثقتهم به. ثمة فرق بين من يجالسه لحاجة، ومن يقصده لذاته؛ بين من يجامله اتقاءً، ومن يطمئن إلى كلمته. وقد يمتلئ مجلسه، ثم يجد نفسه عند الشدة عاجزًا عن تسمية شخص واحد يستطيع أن يضع بين يديه خوفه دون حساب.
هنا تتجلى المفارقة التي تمنح العبارة قوتها: أن يسعى الإنسان بالحيلة إلى تأمين حياته، فيقوّض بيده أسباب الأمان فيها. يريد مكسبًا مضمونًا، فيجعل كلمته موضع شك؛ ويريد مكانة، فيفقد الاحترام الذي يمنح المكانة معناها. ليست هذه نهاية محتومة لكل مخادع، لكنها خسارة تستحق أن تُرى، حتى حين تسترها مظاهر النجاح.
ولا يعفي انكشاف الخديعة صاحبها بمجرد الندم. فإصلاح ما أفسده يبدأ من الاعتراف، ورد الحقوق، وقبول أن من خُدع ليس ملزمًا بمنحه الثقة مرة أخرى. وقد يستطيع الإنسان أن يعيد مالًا أخذه، لكنه لا يملك أن يحدد للآخر موعدًا يشفى فيه من أثر الخذلان.
«من عاش بالحيلة مات بالفقر»؛ لعل أعمق ما في العبارة أنها تدعونا إلى توسيع معنى الغنى. أن نحسب، إلى جانب ما نملك، ما بقي لنا من صدق، ومن وجوه تلقانا بلا ريبة، ومن علاقات لا تحتاج إلى منفعة كي تستمر.
فقد يحتفظ الإنسان بكل ما أخذه بالحيلة، ثم يكتشف متأخرًا أنه فقد من كان سيقف إلى جانبه لو خسر كل شيء.












