آخر تحديث: 25 / 10 / 2026م - 2:54 م

الشيخ محمد البقشي.. سيرة علم وعطاء

طالب عبد الحميد البقشي *


إن بعض الشخصيات ترحل، لكننا نكتشف بعد رحيلها أن حضورها وتأثيرها كانا أعمق من غيابها الجسدي، لأنها لم تكن تعيش لنفسها، بل كانت تمنح الآخرين شيئًا من علمها وضميرها وأخلاقها، فيصبح أثرها جزءًا من حياة من عرفوها، وتستمر حياتهم المعنوية في عقول الناس وضمائرهم وسلوكهم، وتظل كلماتهم ومواقفهم وأخلاقهم حاضرة لعقود أو قرون بعد رحيلهم، ولا سيما العلماء والمربون، الذين لا يُقاس أثرهم بما خلّفوه من تراث علمي فحسب، بل بما زرعوه في النفوس من علم، وفي العقول من وعي، وفي الأخلاق من استقامة.

وأجمل ما يتركه العالم بعد رحيله ليس أن يظل الناس يذكرون اسمه فحسب، بل أن يستمروا في ممارسة الخير الذي تعلّموه منه، وأن يحملوا أمانته العلمية وأخلاقه في حياتهم، وهكذا، قد يغيب الجسد، لكن صاحبه يظل حاضرًا في كل فكرة أنارها، وكل طالب علّمه، وكل خُلُق جميل غرسه في إنسان.

والشيخ محمد بن علي بن عبد الله بن حسن بن أحمد السليمان البقشي عالمٌ أحسائي جمع بين العلم والخط وخدمة الناس، وتُعد سيرته مثالًا لشخصية من علماء الأحساء الذين لم يقتصر أثرهم على طلب العلوم الدينية ونسخ الكتب، بل امتد إلى الجمع بين طلب العلم والتدريس والنسخ والإمامة وخدمة المجتمع، وكتابة الوثائق والوصايا، ورعاية شؤون الأيتام والقاصرين، والإسهام في استمرار التعليم الديني في الهفوف بعد وفاة أستاذه المرجع الديني الشيخ موسى أبي خمسين.

نبذة عن مولده

هو الشيخ محمد بن علي بن عبد الله بن حسن بن سليمان البقشي، من بيت البقشي المعروف بالوجاهة والمكانة الاجتماعية. وُلد في مدينة الهفوف سنة 1292 هـ، وعاصر المرجع الديني الشيخ محمد بوخمسين.

النشأة والأسرة

نشأ في أسرة صالحة بين أبوين كريمين، وفي بداية حياته عمل الشيخ محمد في صياغة الذهب مع أخيه الأكبر الحاج عبد الله العلي البقشي، وتكشف هذه المرحلة جانبًا من حياته قبل التفرغ لطلب العلوم الدينية، إذ بدأ مسيرته بالعمل المهني.

حياته الشخصية

تزوج امرأتين؛ زوجته الأولى آمنة عبد الله البقشي، وبعد وفاتها تزوج بتلة أحمد آل موسى، وله من الأبناء اثنان، هما حسن وحسين، وابنة واحدة هي آمنة.

تحصيله العلمي

اتجه الشيخ محمد البقشي إلى طلب العلوم الدينية بعد سنوات من العمل في الصياغة، وتلقى علومه الدينية في الأحساء على أيدي عدد من أعلامها، وأبرزهم الشيخ موسى بن عبد الله أبو خمسين والشيخ إبراهيم بن عبد المحسن الخرس، كما أنه كان من طلاب مدرسة الميرزا علي الحائري، وهي الحوزة التي أسسها الميرزا علي أثناء إقامته في الأحساء حتى هجرته منها سنة 1373 هـ، وكان مقرها في حي الفوارس بالهفوف، إذ اتخذ أحد المنازل مقرًا للتدريس، فتخرج على يديه عدد من العلماء، من أبرزهم الشيخ محمد البقشي، والشيخ عبد الله الوصيبعي، والشيخ أحمد أبو علي، والشيخ كاظم الصحاف، والشيخ علي بن شبيث، والعلامة الشيخ محمد بن سلمان الهاجري.

وفي حوار أُجري حديثًا مع حفيده محمد حسين البقشي، ذكر أن الشيخ رحل إلى العراق ودرس في حوزة النجف مدة من الزمن، ثم عاد إلى الأحساء بعد أن بلغ تحصيله الدراسي مستوى السطوح العليا.

صفاته الأخلاقية

كان الشيخ محمد البقشي يتمتع بالزهد والورع والتقوى، وذكر الباحث أحمد البقشي في مقال له ”رسالة تعزية 4“ في موقع المطيرفي بأنه يُنقل عن الشيخ صالح السلطان وصفًا لالتزامه الديني واحتياطه في تصرفاته بما يوافق الشرع المقدس. وذكر أيضًا أنه يُنقل عن شيخ المؤرخين جواد الرمضان قوله: ”لم يكن للشيخ محمد رحمه الله نظير في الاحتياط في الدين والنزوع عن الدنيا“. وتُعد هذه شهادات اجتماعية ذات قيمة في رسم صورته لدى معاصريه.

أعماله وإنجازاته

التدريس في الحوزة العلمية في الهفوف

من أبرز المحطات في حياته مشاركته في استمرار نشاط الحوزة العلمية في الهفوف بعد وفاة الشيخ موسى أبي خمسين سنة 1353 هـ، وذكر الشيخ محمد الحرز في دراسته ”الحوزات العلمية في الأحساء“ أن الشيخ محمد البقشي والشيخ أحمد بن إبراهيم البوعلي توليا التدريس في الحوزة مدة من الزمن بعد وفاة الشيخ موسى، قبل أن يتوقف نشاط الحوزة بسبب الظروف التي مرت بها الأحساء في تلك المرحلة.

تلاميذه

في حوار مع الباحث في التراث الأستاذ سلمان الحجي، ذكر أن من الذين تتلمذوا على يد الشيخ محمد البقشي الشيخ عبد الوهاب الغريري والشيخ أحمد الطويل.

اهتمامه بالجانب الأدبي

يذكر حفيده محمد حسين البقشي أن الشيخ كان مهتمًا بالأدب، فقد كان يكتب الشعر وله مقطوعات شعرية، وخلال سفره إلى العراق كان يلتقي بالشيخ أحمد الوايل في الكاظمية ويتبادل معه الشعر.

دوره الديني والاجتماعي في الأحساء

كان له دور اجتماعي يتجاوز الوظيفة الدينية بالمعنى الضيق، إذ ارتبط عمله بكتابة الوثائق والوصايا المتعلقة بالتملكات والتركات، وامتد ليشمل حفظ الحقوق، وضبط الحسابات، وتنفيذ الوصايا، وتقسيم التركات. فقد تولى شؤون أموال ومصالح عدد من الأيتام والقاصرين وفاقدي الأهلية من أقاربه ومن سكان بعض أحياء الهفوف، وامتد دوره الاجتماعي إلى الجفر والمطيرفي والمبرز، كما أشرف على تنفيذ وصايا بعض المتوفين وما يتعلق بها من صدقات وأعمال بر.

إمامته لصلاة الجماعة

كان يقيم صلاة الجماعة في بيته وفي المجلس الحسيني الذي أوقفته الحاجة زينب بنت علي البقشي، وقد دوّن الشيخ وثيقة الوقف للحاجة زينب البقشي بخط يده، وتولّى إمامة الجماعة في الجامع الكبير المعروف بمسجد أبي خمسين، بعد انتقال الميرزا علي الحائري إلى الكويت، كما أقام الجماعة في مسجد الرفعة الشمالية على فترات.

أثره في حفظ تراث الأحساء العلمي

يُعد الشيخ محمد بن علي البقشي، رحمه الله، من أبرز النساخ الأحسائيين وأجملهم خطًا، فقد نسخ عشرات المخطوطات، وامتازت مخطوطاته بالالتزام بقواعد الخط وفنونه، وبسلامة اللغة، مما جعلها موضع اهتمام لدى العلماء والأعيان في البلاد، وقد دوّن بخطه:

1 - الرسالة العملية في الطهارة والصلاة، تأليف الشيخ محمد بن عبد الله آل عيثان ”1260 - 1331 ه“، وتقع في 371 صفحة.

2 - تبصرة للإخوان الخلان في بيان سورة الرحمن، تأليف الشيخ محمد بن إسرائيل بن رحمة الهجري.

3 - أجوبة مسائل الشيخ محمد بن عبد الله بن حاجي، تأليف الشيخ محمد بن إسرائيل بن رحمة الهجري، وهي مسائل أجاب عنها الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي ”1166 - 1241 ه“، وتقع في 9 صفحات.

4 - رسالة في إثبات المعاد الجسماني بالعقل، تأليف الشيخ محمد بن عبد الله بن حاجي، وتقع في 53 صفحة.

5 - ديوان النور، تأليف الشيخ محمد بن الشيخ حسين الصحاف ”ت: 1313 ه“، ويبلغ عدد أبياته حوالي خمسمائة بيت، وكله في مدح ورثاء أهل البيت.

6 - القرآن الكريم: تاريخ النسخ شرع في نسخها سنة 1336 هـ، وكان الواقف هو الفقيه الشيخ موسى بن عبد الله آل أبي خمسين ”1298 - 1353 ه“، بطلب من أستاذه الشيخ موسى أبي خمسين، ومكان الحفظ مسجد أبي خمسين، الواقع في حي الرفعة بمدينة الهفوف، وتوجد نسخ أخرى من المصحف بخطه في مكتبة الشيخ صالح السلطان، ولدى أسرة آل بن خليفة.

كما قام الشيخ محمد البقشي بنسخ سبع رسائل علمية من المؤلفات الأحسائية المخطوطة التي تعود إلى القرن الثالث عشر الهجري، من مصنفات الشيخ محمد بن عبد الله بن رحمة الأحسائي، والشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، والشيخ علي نقي بن الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، والشيخ محمد بن حسين بن علي، والسيد كاظم بن قاسم الرشتي، وعليها قيد تملك وحيازة للملا كاظم بن الحاج محمد صالح المطر، وعليه ختم ”الحوزة العلمية بالأحساء“، وتكمن أهمية هذا المجموع في احتوائه على رسائل تُعد النسخة الوحيدة لها داخل الأحساء وخارجها. كذلك نسخ الشيخ محمد، رحمه الله، عددًا من المخطوطات، منها تحفة الشيخ عبد المحسن اللويمي، ومخطوطة ”منار العارفين“ للعلامة الشيخ محمد بن الشيخ حسين آل أبي خمسين، ومخطوط ديوان الدرر الفاخرة للشيخ عبد الله بن علي الوايل الأحسائي.

وتبرز أهمية نسخ المخطوطات في أنه كان وسيلة أساسية لحفظ التدوينات العلمية وتداولها في البيئات العلمية قبل انتشار الطباعة. ومن خلال هذه النسخ يمكن دراسة أنواع الكتب المتداولة في الأحساء، والموضوعات التي اعتنى بها علماؤها، وطرائق الكتابة في المخطوطات المحلية.

وفاة الشيخ محمد بن علي البقشي في 15 رجب 1375 هـ، بمدينة الهفوف، ودُفن في مقبرة البغلي بطرف الخدود في الأحساء، عن عمر ناهز 83 عامًا تقريبًا.

المصادر:

- مقال الأستاذ أحمد البقشي «رسالة تعزية 4 وتفاصيل حياتية» في موقع المطيرفي.

- إفادة حفيده محمد حسين الشيخ محمد البقشي.

- إفادة الباحث الأستاذ سلمان الحجي.

- إفادة أبي زاهد العوض.

- مقال الشيخ محمد الحرز «الحوزات العلمية في الأحساء» في موقع الأحساء تراث.

- مقال الشيخ محمد الحرز «نسخة القرآن الموقوفة على مسجد آل أبي خمسين» في موقع «جهات الإخبارية».

- مقال الشيخ محمد الحرز «مكتبة الشيخ كاظم المطر الأحسائي للمخطوطات والنوادر» في موقع المطيرفي.