مناقبك

المناقب هي الآثار الطيبة التي يصنعها ويحملها الإنسان، ويتناقل الناس سردها وروايتها، ويتحدثون عنها ويكتبونها جيلًا بعد جيل، لما لتلك المناقب من أثر جميل في النفوس وتحفيز الآخرين لمحاكاة نماذج يُحتذى بها. باختصار، المناقب هي الصفات الحميدة، والفضائل، والأخلاق الشريفة. وعكسها المثالب والعيوب. كل إنسان في هذا الكوكب لديه اعتداد بنفسه، ولكن القليل منهم يترك مناقب جميلة يُعتد بها عند العقلاء وتُروى عبر الأجيال، كما هي مناقب الرسول الأعظم محمد ﷺ أو مناقب الإمام علي
. أفليس للإنسان العادي مناقب وآثار تُروى عنه؟
اجتهد جهابذة البشر والفلاسفة والعلماء والفصحاء والكُتّاب والرواة وأصحاب المال والسلطة والفرسان في صنع مناقب حسنة لهم، بحيث يتم تدوينها في كتب التاريخ أو تتناقلها ألسنة الناس عبر الأجيال. إلا أن كتب التاريخ دوّنت وتدوّن سير القلة القليلة من الناس، أما الباقون من أولئك، فقد تلاشت جهودهم أو تتلاشى مع انحسار نفوذهم أو انحسار أموالهم أو برحيلهم.
في زمن ثورة التقنية والاتصالات، أضحت تطبيقات سناب شات وتيك توك وإنستغرام وفيسبوك ميادين خصبة لإبراز عدد كبير من الفتيان والفتيات والمراهقين والمراهقات وبعض من صغار أو كبار الناس أو عامة الناس أنفسهم عبر نشر صور ملابسهم ومفاتنهم ويومياتهم وسفراتهم وطعامهم ورحلاتهم وأعراسهم وأملاكهم وفللهم وولائمهم. ووصل ترويج بعضهم لأنفسهم إلى حد الغثيان والصداع. حتى إن بعضهم وبعضهن ينشرون مشكلاتهم الأسرية قبل الزواج وأثناءه وبعد الانفصال. تخيّل عجوزًا شمطاء أو فتاة متحررة أو رجلًا متحررًا يذيعون أسرار غرف نومهم أمام الناس بعد الانفصال كمحتوى رقمي!! في أي وحل وهرج ومرج وقع بعضهم! أتمنى أن تُحجب حسابات أولئك على الإنترنت.
ولكن كل تلك المواد والكميات الإعلامية الهائلة، وعلى مدى عدة سنوات، لم تترك لهم منقبة، وإن كثر عدد المدّاحين ممن استفادوا منهم أو استغلوهم!!
من مناقب الزوج الصالح التي تمتدحه بها زوجته أو أبناؤه أو أقرباؤه وأنسابه: حسن العشرة وحفظ كرامة أفراد أسرته، والدعم السخي مع البذل المالي والعاطفي دون منٍّ أو أذى، وعدم إيذاء زوجته وأهله طوال حياته، والكرم وجميل الألفاظ وتجنب مواطن الشر. لك أن تقارن هذا بذاك الرجل البعيد عنا وعنكم ممن تشتكي منه زوجته أو أبناؤه ويستنجدون بالأقرباء أو الغرباء لينقذوهم منه!
وحتمًا، عندما يرحل المحسن إلى أفراد أسرته أو المسيء إليهم، فإن المشاعر تجاه كل منهما تختلف تمامًا. فذاك المحسن إلى أهله سيتحدثون عنه أمام الناس بالحسنى ويذكرون المناقب الجميلة، أما الشخص الآخر المسيء، فسيتحدث عنه أهله بالسوء مهما أُخفيت الحقيقة، ولو إلى حين.
لذلك نرى ضرورة المبادرة بالامتنان لأهل الإحسان وتفادي نكران الجميل.
فمن جميل الطباع أن يبادر كل شخص يتلقى كلمة جميلة أو تحفيزًا طيبًا أو هدية أو إعانة بالشكر والعرفان لضمان استمرار المعروف في الوسط الاجتماعي وتخصيب تربة التحفيز والعطاء.
لم يعد سرًّا أن تسمع أو تقرأ أخبارًا عن سرقة رواية من كاتبها الأصلي، أو سرقة براءة اختراع أو تصاميم هندسية أو تجيير مقترحات مبادرات هادفة أو انتحال اسم ناشر أو غير ذلك؛ إلا أن الجديد هو أن بعض السُّرّاق يتمادون بعد سرقتهم من أصحاب المناقب من أهل الفضائل، سواء أكانت مناقب علم أم شجاعة أم كرم أم عدل أم تقوى أم تبرع سخي أم تبني مبادرات، فيجرؤون على تشويه أصحاب المناقب الأصليين!!
في زمن عولمة انتشار الرذيلة بكل أصنافها، أصبح عدد كبير من الناس يخشى أن يبادر إلى التصدق أو العطاء أو حتى الابتسام في وجوه أطفال أو مد يد العون لعابر السبيل مهما بعد أو قرب، لما قد يترتب على ذلك الصنيع من آثار غير محمودة!
حتى أضحى الإنسان الجيد والمبادر ينصح أقرباءه المسافرين أو المبتعثين أو السائحين بتجنب الابتسامة في وجه أي طفل أجنبي، وتجنب مد يد العون للمسن الأجنبي، لما قد يجرّه إليه هذا الصنيع من عواقب غير محمودة!!
يُدرج أغلب الناس السمات التالية ضمن أطر المناقب:
• الكرم
• الإيثار
• التضحية
• الشجاعة
• الأمانة
• الوفاء
• الجود
• الوعي
• بشاشة الوجه
• حسن المعاملة
• لين الجانب
• العدل
• المبادرة
• العطاء
• التفاؤل بالخير
• حسن الحديث والكلام، إلخ.
ولكن أيها أعظم منقبة من وجهة نظرك؟
ملايين البشر دخلوا الدنيا ورحلوا ولم يتركوا أثرًا ولا كتابًا ولا علمًا ولا منقبة عابرة للأجيال، فهل أولئك معدومو المناقب؟ حتمًا، الجواب: كلا؛ لأن إمكانيات الناس تختلف ونطاقات انتشار أثرهم تتفاوت، إلا أن الله هو من يعرف حقيقة مناقبهم وخصالهم. ولعل أكبر منقبة للإنسان، حسب رأيي، هي منقبة ترويض النفس على الطاعة والقناعة من خلال ترجمة ذلك في السلوك مع الأبوين والزوجة والأولاد والجيران؛ وتحصينها من الكفر والشرك والرذيلة والدناءة والشح والنفاق والرياء والابتذال والانزلاق في مواطن السوء عبر تجنب مواطن الشبهة وأصدقاء السوء ونكران الجميل.













