خلّوني ساكت.. لا أبطّ البرمة
الأمثال الشعبية البحرينية.. ذاكرة الناس في كلمات

في البحرين، لا تُقال الأمثال للتزيين، بل لأنها تختصر ما تعلّمه الناس من الحياة. نشأت على ألسنة أهل البحر والنخيل والأسواق، من الغواصين والصيادين والفلاحين والتجار والنساء في البيوت، فجاءت صورها من الأشياء القريبة: البحر والسفينة واللؤلؤ والنخلة والتمر والبرمة والتنّور. وهي تُتوارث شفاهًا في المجالس والبيوت، وتُقال في الموقف المناسب فتغني عن الشرح الطويل. ومن هذه الأمثال ما يزال حيًّا على الألسن، ومنها
مثل شعبي متداول ”أبطّ البرمة“.
من أين جاءت العبارة؟
”البرمة“ إناء فخاري عرفه أهل البحرين والخليج، يحفظون فيه الحبوب، وربما أودعوا فيه مصوغاتهم الذهبية خشية اللصوص. وما دامت سليمة بقي ما فيها مستورًا، فإذا انكسرت، أي ”بُطّت“، انكشف المخبوء وعلم الناس ما كان خافيًا. ومن هذه الصورة البسيطة وُلد المثل: إفشاء السر الذي كان مخفيًا عن الآخرين، وغالبًا ما يُقال للتهديد في النقاش الحاد.
تخيّل انتخابات برلمانية اشتد فيها التنافس بين فريق معارض وآخر موالٍ. كل طرف يعزز موقعه بوعود انتخابية، بعضها قد يصدق وبعضها دعاية لا أكثر. وكان لدى المعارض معلومات خطيرة عن خصمه في أمور مالية وارتباطات مشبوهة، فيهدده كلما احتدم الجدل بأنه سيبطّ البرمة. هنا تصبح الأسرار ورقة ضغط، ويتحول الصمت نفسه إلى وسيلة مساومة.
السؤال الذي يطرحه المثل: هل الصمت هنا حكمة أم تواطؤ؟ إن كانت المعلومات تكشف فسادًا يمس المصلحة العامة، فالسكوت عنها خيانة للناس وكشفها واجب. أما إن كان الهدف من التلويح بها مكسبًا شخصيًا أو إسكات خصم، فذلك ابتزاز لا يليق بالمنافسة الشريفة. الفرق بين الأمرين هو الفرق بين من يكشف الحقيقة لأجل الناس، ومن يحتفظ بها ليساوم بها.
يبقى مثل ”أبطّ البرمة“ شاهدًا على أن الأمثال الشعبية البحرينية صور حية من بيئة الناس، تختصر في كلمات قليلة حكمة طويلة. فكما تحفظ البرمة ما في داخلها ما دامت سليمة، فإن الأسرار أمانة لا تُكشف إلا لخير. والخصومة مهما اشتدت لا تبرر أن نجعل أسرار الناس سلاحًا نهددهم به، فالحجة والحوار أبقى أثرًا وأكرم خلقًا من التهديد والفضيحة.













