آخر تحديث: 24 / 10 / 2026م - 5:49 م

الزنبقة السوداء

قصة قصيرة

سهام طاهر البوشاجع *


ليست كل الزنابق بيضاء، فبعضها يولد بلون عتمة الليل، وينمو في صمت الجبال الباردة، مخبئًا بين بتلاته أسرارًا لا يبوح بها إلا لمن اقترب منه، وأحسن الإصغاء إلى صمته.

وبطلة قصتي زنبقة من تلك التي حفرت بصيلاتها بين فتات الصخور الجبلية وتربتها النقية، في أقصى مقاطعة يونّان جنوب غربي الصين، وتُدعى Lilium papilliferum.

ولأن ”ليليوم“ زنبقة تحمل الكثير من الأسرار التي تُحكى وتُروى عبر الأثير، وتتسلل بين تصدعات الجبال، وتقطع مسافات شاهقة حتى تصل إلى مسامعنا عبر الأجيال، فقد اخترت أن أروي من حكاياتها واحدة، لعل في ثناياها ما يستحق التأمل.

كان هناك رجل يُدعى ”ناني“، اعتاد أن يجوب الجبال الخضراء في تلك المقاطعة مع بزوغ الفجر، يتنفس هواء المرتفعات النقي، وفق عادة موروثة تناقلها أفراد أسرته جيلًا بعد جيل، اعتقادًا منهم بأن أنفاس الصباح الأولى تمنح الجسد طاقة ترافقه طوال يومه، منذ إشراقة الشمس وحتى استسلامها للمغيب.

وفي أحد الصباحات الباردة، وبينما كان ناني يمارس عادته اليومية، علقت قدمه بين كومة من الأحراش المتفحمة، بدا أن أحد العابرين قد تركها بعد أن قضى ليلته مستدفئًا بنار أشعلها في تلك البقعة.

كانت الأحراش بقايا أغصان شجيرات برية وزنابق ”ليليوم“ نالت منها النار، ولم تُبقِ من جمالها سوى آثار داكنة اختلطت برماد الخشب والتراب.

لم ينزعج ناني لأن قدمه علقت بين تلك الأحراش، وإنما انزعج من السخام الأسود الذي التصق بقدمه وطرف ردائه الأبيض، وقد امتزجت به مسحات من لون بنفسجي قاتم.

توقف يتأمل البقع، وتغيّرت ملامح وجهه.

فقد ورث ناني عن أسرته اعتقادًا قديمًا بأن اتساخ الجسد أو الثياب في الساعات الأولى من النهار نذير شؤم، وأن اليوم الذي يبدأ بالسواد قد يحمل في ساعاته ما لا تُحمد عقباه.

ولم يكن ذلك الاعتقاد مجرد حكاية عابرة في ذاكرته، بل كان موروثًا استقر في وجدانه منذ طفولته، حتى أصبح يخشاه دون أن يسأل نفسه يومًا عن حقيقته.

نظر إلى امتداد الجبال أمامه، ثم إلى البقع الداكنة على ردائه، وشعر بقلق غامض يتسلل إلى صدره.

وتذكّر طفلته الصغيرة ”سوهي“، التي مرضت في الليلة الماضية جراء تعرضها للفحة هواء باردة، هبّت مع انقضاء أحد الشهور وبداية شهر آخر، وكأنها تنذر بشتاء قارس سوف يجتاح البلاد.

لم يعد في استطاعته إكمال جولته الصباحية.

أسرع بالنزول من أعالي التلال، تتسابق خطواته مع هواجسه، حتى وصل إلى منزله الذي كان يستريح عند سفح الجبل، تحيط به الخضرة ويحتضنه هدوء الصباح.

كانت طفلته ”سوهي“ في استقباله، وبقية أبنائه وزوجته الودودة قد جلسوا حول مائدة الإفطار ينتظرون عودته.

أقبل عليهم بابتسامة كبيرة، بينما كان القلق يتوارى بين أضلعه، يخشى أن يفلت من عينيه فيفضح ما أخفاه عنهم.

اطمأن إلى طفلته، ومسح على رأسها بحنان، ثم جلس بينهم محاولًا أن يستعيد هدوءه.

لكن زوجته، التي اعتادت قراءة ملامحه قبل أن ينطق بما في صدره، لاحظت البقع السوداء والبنفسجية التي لطخت طرف ردائه الأبيض.

سألته باستغراب:

”ما الذي أصاب رداءك يا ناني؟ ومن أين جاءت هذه البقع؟“

تنهد قليلًا، ثم أخبرها بما جرى له في التلال، وما أثارته تلك الأحراش المتفحمة من هواجس ومخاوف، خشية أن تتحقق نبوءة قديمة تناقلتها أسرته.

ابتسمت زوجته محاولة تهدئته، وقالت:

”ولِمَ نحمل أيامنا أعباء مخاوف لم تقع؟ لعل ما حدث ليس إلا عثرة عابرة بين الصخور“.

ثم أخذت الرداء لتغسله، ظنًا منها أن الماء وبعض المنظفات كفيلان بإعادة بياضه كما كان.

لكن البقع أبت أن تزول!

غسلته مرة، ثم أعادت غسله مرات أخرى، واستخدمت أجود ما لديها من منظفات، غير أن السواد ظل مستقرًا بين خيوط النسيج، تتخلله ظلال بنفسجية غامقة، وكأنه يأبى مفارقة الرداء.

وقفت تتأمل ما حدث بشيء من الدهشة.

ولم يكن قلقها نابعًا من تلك النبوءة التي يخشاها زوجها؛ فهي لم تتربَّ على مثل تلك المعتقدات، إذ جاءت من مقاطعة أخرى، ونشأت بين أفراد أسرة لا تعير نُذُر الشؤم اهتمامًا.

وإنما كان قلقها بسبب عجزها عن إزالة البقع، وخشيتها أن يرى ناني رداءه على تلك الحال، فيعود إليه خوف حاولت جاهدة أن تبدده.

فخبأت الرداء في أحد أركان الخزانة، ولم تخبره بما جرى.

ومضى اليوم الأول دون أن يقع مكروه.

وكان ناني يراقب تفاصيل يومه بحذر، ينتظر أمرًا لا يعرف ماهيته، حتى إذا أقبل المساء، ووجد طفلته قد تحسنت، وأسرته تنعم بالأمان، بدأ يشعر بأن مخاوفه كانت أكبر من الحقيقة.

وفي صباح اليوم التالي، استيقظ أكثر اطمئنانًا، وحمد الله على ما أنعم به عليه وعلى أسرته من سلامة وعافية.

وهكذا انقضى قلق ناني، إلا أن قلقًا آخر توزّع في روح زوجته.

فقد كانت تخشى أن يطلب رداءه الأبيض الذي اعتاد ارتداءه في بعض جولاته، فتضطر إلى إخباره بأنها فشلت في إزالة تلك البقع الغريبة.

وظلت تفكر فيما يمكن أن تفعله، حتى قررت الذهاب إلى السوق لشراء مسحوق غسيل أكثر فاعلية، لعلها تنجح فيما عجزت عنه محاولاتها السابقة.

غير أن الأقدار كانت تخبئ لها أمرًا آخر.

فبينما كانت تتجول بين متاجر السوق، استوقفها إعلان عُلّق عند أحد المداخل، يدعو الأهالي إلى التبرع بالملابس والأحذية المستعملة، ما دامت صالحة للاستخدام، لمساعدة المسنين المقيمين في إحدى دور الرعاية.

وقفت أمام الإعلان تقرأ كلماته، ثم أعادت قراءتها.

وفي تلك اللحظة، لمعت في مخيلتها فكرة ذات أهداف وشجون.

تذكرت الرداء الأبيض، والبقع التي أبت أن تزول، ثم تذكرت ما تكدس في خزانة منزلها من ملابس وأحذية لم تعد أسرتها بحاجة إليها.

وشعرت بأن الأمر الذي أقلقها منذ الأمس ربما يكون سببًا في فتح باب خير لم يخطر ببالها.

عادت مسرعة إلى المنزل.

وما إن دخلت حتى رأت ناني واقفًا أمام الخزانة، وقد أخرج الكثير من الملابس، وأخذ يبحث بينها عن شيء بدا أنه فقده.

أدركت على الفور أنه يبحث عن ردائه الأبيض.

وحين همّ بسؤالها، سبقته إلى الحديث قائلة:

”لا بد أنك تبحث عن ردائك الأبيض الذي تلطخ بالسواد يوم علقت قدمك بين الأحراش والزنابق المتفحمة“.

التفت إليها وقال:

”نعم، وأين هو؟ لقد بحثت عنه ولم أجده“.

اقتربت منه وقالت برفق:

”اسمعني يا زوجي الحبيب، لعل في الأمر ما لم ننتبه إليه منذ البداية“.

نظر إليها مستغربًا، فأكملت:

”لقد حاولت غسل رداءك مرات عديدة، لكن البقع أبت أن تزول، حتى خُيّل إليّ أنها أصبحت جزءًا من نسيجه. ولم أشأ أن أخبرك حتى لا تعود إليك هواجس ذلك الصباح“.

قال بدهشة:

”وهل بقيت البقع كما هي؟“

أجابته:

”نعم، ولكن اسمع ما حدث معي اليوم“.

ثم قصّت عليه ما رأته في السوق من إعلان يطلب التبرع بالملابس والأحذية للمسنين، وكيف خطرت لها فكرة أن يجمعا ما لديهما من ثياب لم يعودا بحاجة إليها، ويقدماها لمن ينتفع بها.

وأضافت:

”لقد فكرت في ردائك أيضًا، فهو ما زال بحالة جيدة رغم البقع التي أصابته، وقد ينتفع به أحدهم إن كانت البقع لا تمنع استخدامه. والأجمل أن نجمع معه ما نستطيع من الملابس السليمة، وربما نشتري شيئًا جديدًا لأولئك الذين أنهكتهم السنون، وأصبحوا في حاجة إلى من يلتفت إليهم“.

سكت ناني قليلًا.

ونظر إلى زوجته، ثم إلى الملابس المبعثرة أمامه، وكأن كلماتها قد فتحت في داخله نافذة لم يكن يراها من قبل.

قال بصوت امتزج فيه التأمل بالامتنان:

”يا للعجب! لقد ظننت أن تلك الأحراش السوداء تحمل إليّ نذير شؤم، فإذا بها توقظ فينا أمرًا غفلنا عنه طويلًا“.

ثم أردف:

”لعل الله تعالى أراد لنا أن نرى في ذلك السواد ما هو أبعد من لونه. فنحن ننعم بخيرات كثيرة، وربما نسينا أن لغيرنا حقًا فيما أنعم الله به علينا“.

ابتسمت زوجته، وقد شعرت بأن كلماتها وجدت طريقها إلى قلبه.

فقال ناني:

”لن نتبرع بما استغنينا عنه فقط، بل سأذهب إلى السوق، وأنفق بعض ما ادخرناه من مال في شراء ملابس وأحذية جديدة لهؤلاء المسنين. فلعل ما نقدمه لهم يزرع في قلوبهم فرحة، ويمنح أرواحهم شيئًا من الدفء الذي تفتقده أيامهم“.

كانت زوجته تستمع إليه، وفي عينيها بريق رضا لم تستطع إخفاءه.

فقد أدركت أن خوفًا صغيرًا بدأ ببقعة سوداء، قد انتهى إلى فكرة بيضاء تحمل الخير لأناس لا يعرفونهم.

اتجها معًا نحو الخزانة لجمع الملابس.

وحين مدت الزوجة يدها لتأخذ الرداء الأبيض وتضعه جانبًا مع الملابس المعدّة للتبرع، استوقفتها بقعة سوداء عند طرفه.

لم تكن البقعة كما رأتها من قبل.

اقتربت منها، وأمعنت النظر في تلك الظلال البنفسجية التي اختلطت بالسواد، فإذا بزنبقة صغيرة تتشكل بين ثنايا النسيج، وكأنها تنبثق من عتمة الليل.

وفجأة، خُيّل إليها أن الزنبقة فتحت عينًا لامعة، وغمزت لها بابتسامة مشرقة!

شهقت الزوجة، والتفتت خلفها.

لم يكن أحد هناك.

وعندما أعادت نظرها إلى الرداء، لم تجد سوى تلك البقعة السوداء التي استعصت على الماء والمنظفات.

لكنها هذه المرة لم تشعر بالقلق.

ابتسمت في هدوء، ومررت أناملها على طرف الرداء، ثم رفعت عينيها نحو النافذة، حيث كانت الجبال البعيدة تستريح تحت ضوء الشمس.

وفي مكان ما بين تصدعات تلك الجبال، كانت زنبقة سوداء تتمايل مع نسائم الصباح، محتفظة بسرّها الذي لم يعرفه أحد...

إلا امرأة أحسنت الإصغاء إلى صمتها.

كاتبة ومحررة في صحيفة المنيزلة نيوز