آخر تحديث: 23 / 10 / 2026م - 6:04 م

للصمت ذاكرة

نازك الخنيزي


يمضي من آذانا، ونبقى نجيبه. نعثر بعد أعوام على العبارة التي احتجناها يومًا، فنقولها في غيابه بحرارة من يعتقد أن الفرصة ما زالت قائمة. نعرف أن الواقعة انتهت، غير أن شيئًا فينا يعيشها بصيغة الحاضر. ينقضي زمنها في حياة من أحدثها، وتظل في حياتنا قادرة على الحدوث؛ تسترد صوتها من كلمة عابرة، وتجد في خوف جديد سبيلًا إلى استعادة خوفها الأول.

للصمت ذاكرة تحفظ الكلام الذي حبسناه، وتحفظ معه صورتنا عاجزين عن قوله. نعود إلى تلك الصورة بخبرة تأخرت عن نجدتنا، ونحاسب أنفسنا القديمة على جواب نعرفه الآن. ننسى مقدار خوفها، وقلة ما عرفت، وحاجتها إلى من آذاها. نحاكمها بما صرنا إليه، فتتحمل فوق ألم الواقعة قسوة وعينا المتأخر بها. وربما احتجنا، قبل الصفح عن الآخر، إلى فهم الشخص الذي كناه؛ فعل ما استطاع بما أتيح له يومها من قوة ومعرفة.

نصمت أحيانًا حفاظًا على المحبة. نؤجل العتاب، ونعذر التعب، ونمنح الإساءة تفسيرًا نستطيع مواصلة العلاقة معه. نحتاج إلى هذا التفسير بقدر حاجتنا إلى صاحبه؛ فالاعتراف بما يؤلمنا قد يضعنا أمام اختيار نخشى تبعاته. نترك بعض ما نعرفه غامضًا، إلى أن يستنفد البقاء قدرتنا على تبريره. عندها ندرك أن تأجيل المواجهة غيّر شعورنا بمن نحب، وغيّر معه نظرتنا إلى أنفسنا.

يتذكر الآخر لقاءات هادئة، ونتذكر ما احتملناه لتمضي. لكل منا تاريخ مختلف للعلاقة نفسها. عاش طمأنينة يجهل ما كلفتنا، وعشنا انتظارًا يجهل أنه المعني به. ننتظر أن يدله قربه منا على وجعنا، وأن يحمل اعتذاره دليلًا على معرفته بنا؛ فإذا اضطررنا إلى شرح الأذى، خسر الاعتذار شيئًا مما انتظرناه منه. نحمّل المحبة أمنية عسيرة: أن تعرفنا من الموضع الذي نخشى كشفه، وأن تسمع ما نعجز عن قوله.

ومع الانتظار، يتغير ما نطلب الاعتذار عنه. تتسع الواقعة لما أحدثته فينا، ولما اضطررنا إلى تغييره في أنفسنا لنتعايش معها. يستعيد قائل العبارة كلمات نطق بها مرة، ونستعيد معها أعوامًا سمعناها خلالها من داخلنا. يصل اعتذاره إلى لحظة، ونستقبله من عمر أعقبها. وربما صدق الاعتذار وظل الألم؛ فاعتراف الآخر بخطئه لا يمحو أثره، ولا يعيد إلينا ما عجزنا عن عيشه بسببه.

للصمت الذي صان العلاقة أثر في حدودها أيضًا. يضيق ما نستطيع قوله، ويتسع ما نطالب أنفسنا باحتماله. نزن وجعنا بقدرة الآخر على تقبّل عتابنا، ونستبعد من الحديث ما يهدد طمأنينته. ومع الوقت، نستعير نظرته إلى ما أصابنا؛ فما يراه هينًا نخجل من ثقله فينا. يبلغ الصمت أقصى سلطته عندما نشك في مشاعرنا كلما عجز الآخر عن الاعتراف بها.

عندئذ تحمل عبارة «آلمني ما فعلت» معنى يتجاوز طلب الاعتذار. نسمّي ما عشنا، ونجازف بسماع جواب تأخرنا في طلبه. ربما يتغير فهمنا للماضي، وربما تتغير العلاقة التي صُنّاها بالصمت. أما الكلمات التي قلناها أخيرًا، فتغادر موضعها القديم فينا؛ نعود إلى الواقعة، ونجد صوتنا هناك.