من القراءة إلى الإبداع الكتابي

من استضافة أهل القلم من السلك التعليمي إلى الاشتغال على تكوين أرضية فاعلة ينطلق منها الطالب ليعبر من ضفة الاستهلاك القرائي إلى ضفة الإنتاج والإبداع الكتابي في شتى مجالات الكتابة..
لهذا وذاك كانت فعالية «حوارية التلقي والإبداع الكتابي» هي ما اجتمع من أجلها نخبة من طلاب المرحلة المتوسطة يوم الأربعاء 10/5/1448 هـ في مسرح مدارس التهذيب، وكان المعيار في انتقاء الطلاب لحضور اللقاء من جميع فصول المرحلة المتوسطة هو انخراطهم في مسابقة «تحدي القراءة العربي».
ولأن المسابقة تتمحور حول قراءة خمسين كتابًا وتلخيصها؛ فإن مقدم الحوارية أمين مصادر التعلم الأستاذ حسين الخليفة بدأ حديثه حول تحرير مفهوم التلخيص وتصنيفه ضمن الجانب الإنتاجي الإبداعي، لا ضمن الجانب الاستهلاكي القرائي واستفاض في عرض جانب من المنتج التلخيصي لدى علماء العربية وعموم أعلام التراث مفرقًا بين ألوان التلخيص مع ذكر بعض الأمثلة من أسماء الكتب الملخصة منها:
«تلخيص المفتاح» للخطيب القزويني «لخّص فيه قسم البلاغة من كتاب ”مفتاح العلوم“ للسكاكي».
تلخيص كتاب الكافية الشافية - لابن مالك «وهي منظومته الأصلية في علم النحو التي قاربت «3000 بيت» فلخصها إلى ما يقارب «1000 بيت» واشتهرت باسم ألفية ابن مالك فطغى صيتها على كتابه الأصلي الكافية الشافية»
وهناك مرحلة أخرى من ألوان التلخيص تعمد إلى تلخيص الملخص، ومن أمثلتها:
كتاب «تلخيص مختصر المقنع» لعبد الوهاب الفارس «وهو تلخيص لما اختصر في الفقه الحنبلي»
كتاب «ملخص تلخيص المفتاح» لزكريا الأنصاري «وهو تلخيص لتلخيص الجانب البلاغي في مفتاح العلوم للسكاكي»
بعدها بيَّن مقدم الحوارية للطلاب كيف أن التلخيص يعد جانبًا إبداعيًا زاوله كبار العلماء والكتَّاب والأدباء، ومن التلخيص إلى تلخيص التلخيص دعا الأستاذ حسين الخليفة الطلاب إلى العمل على تلخيص أولي في مسودة خارجية لكل كتاب من الكتب الخمسين المختارة، ثم إلى إعادة قراءة التلخيص وتنقيحه من الأخطاء اللغوية إن وجدت ومن التشويش وهشاشة الترابط الأسلوبي وصولًا إلى «زبدة الزبدة» وهي الكتابة النهائية القائمة على تلخيص التلخيص ليكون صالحًا لتعبئة الأسطر المخصصة لكل كتاب في جوازات التحدي، مشددًا على كون التلخيص النهائي مصاغًا بأسلوب الطالب وبألفاظ عربية سلسة سهلة لا تضطر قارئها إلى توخي معانيها في صفحات المعاجم والقواميس، مع جعله يقتنع بأن نص التلخيص من إبداع الطالب وأنه يقدم الصورة العامة للكتاب الملخص..
كما أكد على تحلي الطالب بالشجاعة الأدبية وعدم التردد في نقد بعض نقاط الكتاب الملخص إن وجد فيه ما ينبغي نقده واقتراح البدائل الأصلح، وهذا مما يعكس نضج الطالب ويؤدي إلى تكوين شخصيته العلمية الخاصة في سن مبكرة، وهو أمر مطلوب في إنضاج الروح الإبداعية لديه.
أكد مقدم الحوارية الإبداعية أن القراءة وسيلة غايتها الانتقال من الانفعال بالمقروء إلى الفعل الإبداعي الذي يحول كل واحد منا من قارئ لغيره إلى مقروء له ينتج التلخيص والمقالة والقصيدة والقصة والرواية وما تنوع من فنون الكتابة، وأكد أيضًا على ضرورة أن يستخدم القارئ تقنية الإيحاء النفسية فيجري الحوار الداخلي مع نفسه ويقول لها: مثلما أقرأ الآن لغيري وهو إنسان مثلي فإني سأكون مثله أكتب وأقتحم عالم الكتابة ليقرأ الناس كتاباتي..
وضرب الأستاذ للطلاب الحاضرين أمثلة حية من طلاب أمثالهم درسوا في مدارس التهذيب، وتمنوا أن يكونوا مبدعين وأصروا على تحقيق أمنياتهم فكان لهم ما تمنوه، وذكر لهم أسماء بعض الطلاب الذين صاروا كُتّاب مقالات وقصائد وقصص، ومنهم من أصدر كتابًا وديوانًا شعريًّا..
وأردف: من الضروري أن يكون طموحك عاليًا حتى تصل إلى أعلى المراتب في المجال الذي تكتب فيه، وذكر لهم الأستاذ كشاهد من الشواهد الحديثة جدًا أن طالبًا تخرج في مدارس التهذيب العام الماضي وكان حبه للشعر جعله يصر على التزود بأدوات كتابة الشعر وكان له ما أراد فصار شاعرًا وكان طموحه - وهو في أول الطريق - أن يكون لإنتاجه الشعري صدى عالمي ويحوز على الجوائز العالمية كجائزة نوبل للآداب وأتم إبداع نص شعري في تجسيد هذا الطموح جاء فيه ”وغدًا أفوز بنوبلِ الآدابِ / وأصير فخر الأهلِ والأصحابِ / وطني أساس الشعرِ هذا ثابت.. إلخ“
والشطر الثالث - كما علق الأستاذ - هو مما يندرج في علم البلاغة تحت اسم «حسن التعليل» فكأنه يقول لنا بما أن وطني هو أساس الشعر العربي الذي كان منطلقًا تأسيسيًّا لكل شاعرٍ أبدع شعرًا في البلاد العربية كلها؛ فإن طموحي إلى نيل الجوائز العالمية كجائزة نوبل للآداب هو طموح مبرر بعيد كل البعد عن تمني المستحيل أو ما يبعد تحققه، وشاعرنا اليافع محق في ذلك وسيكون له ما أراد إن شاء الله.
وأضاف الأستاذ مخاطبًا الطلاب الحاضرين: كونوا طموحين متمنين السقف العالي من الأمنيات مع العمل على تحقيق طموحاتكم وأمنياتكم بالمثابرة والاجتهاد.
وأضاف أيضًا بقوله: ما دام حديثنا عن شواهد الانتقال من القراءة إلى الكتابة الإبداعية فإني سأختم تقديمي الحواري بقصيدة نظمتها حول مسابقة تحدي القراءة وتسمى الأرجوزة لأنها نظمت على بحر الرجز أقول فيها مخاطبًا كل طالب قبِل التحدي:
تَحَدَّ واقرأْ كُتُباً خمسينا.. مُلخِّصاً تلخيصَكَ الثمينا
ولتجعلِ التلخيصَ مِنْ أسلوبِكْ.. حتى تنالَ مرتضَى مطلوبِكْ
فالمرتضَى للنفسِ أقصى غايةْ.. تُنالُ كي تفرحَ في النهايةْ
كُلُّ كتابٍ بعدَما قرأْتَهُ.. تزدادُ عِلْماً أنتَ إنْ لخَّصْتَهُ
فإنَّ في التلخيصِ تَرْسَيخَ الفِكَرْ.. في الذهنِ والرسوخُ شيءٌ مُعتَبَرْ
وغايةُ المقروءِ أخذُ المنفعةْ.. منهُ لتنشيطِ العقولِ المبدِعةْ
فاقرأْ كثيراً كي تكونَ كاتبا.. مادمتَ حقًّا للكتابِ صاحبا
وإنْ غدوتَ كاتباً نلتَ المُنى.. كالبدرِ مِنْ ذُكائِهِ نالَ السنا
بالحُسنيينِ قد تكونُ فائزةْ.. نفْسُكَ بالعلمِ ونيلِ الجائزةْ.
وقصَّةُ القارئِ دوماً رابحةْ.. معَ الكتابِ أبداً وناجحةْ
فاغتنمِ الفُرصةَ خُذْ نصيبَكْ.. مِنَ الحياةِ واتَّبِعْ لبيبَكْ
لُبَّكَ أعني إنَّهُ اللبيبُ.. لِعِلَّةِ الجهلِ هو الطبيبُ
ومَنْ بعقلِهِ يكنْ مُسترشِدا.. باعَ هواهُ واشترى هَدْيَ الهُدَى
فبِعْ هوى الجهلِ وغادِرِ الكَسَلْ.. مجتهداً مَنْ يجتهدْ قطعاً يَنَلْ
وافرحْ وفرِّحْنا بما تنالُ.. عليكَ - ثِقْ - قد عُلِّقَتْ آمالُ
وأنتَ أهْلٌ لا تُخَيِّبُ الأملْ.. سِرْتَ ومَنْ سارَ على الدربِ وَصَلْ
وبمجرد أن انتهى الأستاذ من إلقاء أرجوزته في تحدي القراءة كان التفاعل والتصفيق الحار مِن قِبَل الطلاب، وكان النص الشعري بمثابة إنعاش وترويح للنفس بعد رحلة حواريتهم في قضايا التلخيص وتلخيص التلخيص وما تبعهما من قضايا الإبداع.
أن يتصدى الطالب لتقديم حلقة خاصة في شؤون مسائل مسابقة تحدي القراءة العربي مدعمة بعرض مرئي وبخطوات منظمة هو من العمل الإبداعي التقديمي والإلقائي..
وكأن الأستاذ منظم اللقاء أراد أن يعيش الطلاب لحظة الحدث الإبداعي، والإلقاءُ - ناهيك عن تكوين مادته الكتابية - هو من الفنون الإبداعية القولية..
إنه الفن الذي خاض عباب بحره بثقة وجدارة الطالب المبدع «حيدر الصايغ» الذي صاغ مفردات تقديمة بقلم إبداعه وقدمها بحسن إلقائه، فاستفاد منه الطلاب كل الاستفادة ووضح ما كان غامضًا لديهم من شروط وخطوات المسابقة وترتيب جوازاتها منهيًا تقديمه بفتح باب الأسئلة والحوار حول الموضوع مما كان له الأثر الطيب في نفوس الطلاب...
ولا شك أن جرأة زميلهم المقدم ستنعكس عليهم انعكاسًا إيجابيًّا ليكونوا مقدمي برامج في قابل أيامهم وسيتخطون المقابلة الشفهية بثقة عندما يمثلون أمام لجنة تحكيم مسابقة تحدي القراءة في نهاية المطاف.
إنه كان يومًا مشهودًا من أيام الطلاب، يومًا منقضيًا راحلًا بلحاظ الزمن، وهو في الوقت نفسه يومٌ قارُّ في نفوسهم التي تأبى أن تكون إلا من فرسان الكلمة تقود زمامها إلى حيث الإبداعُ، وإلى حيث الجمال.

















