حين تصبح «لا» تهمة

قد تغفر لك بعض العلاقات أخطاء كثيرة، لكنها تضيق بأول مرة تنصف فيها نفسك. تظلّ طيبًا ما دمت تتجاوز، وكريمًا ما دمت تمنح، وقريبًا ما دمت تأتي كلما احتاجوا إليك. ثم تقول، بعد تعب طويل: «لا أستطيع»، فتجد نفسك مطالبًا بالدفاع عن قلبك، وكأن اعتذارًا واحدًا ألغى سنوات من الحضور.
من هنا تبدأ الحكاية؛ حين يُقرأ التوقف عن التنازل بوصفه قسوة، ويصبح حفاظ الإنسان على ما تبقّى منه سببًا لعتابه.
في البداية، يكون التنازل اختيارًا محبّبًا. نتجاوز عن كلمة لأن صاحبها عزيز، ونؤجّل رغبة لأن اللقاء أهم، ونقبل اعتذارًا ناقصًا لأننا لا نريد للخلاف أن يطول. وفي ذلك مساحة جميلة من الودّ؛ فالعلاقات التي لا تتّسع لهفوة، ولا تعرف التسامح، يصعب أن تمنح أصحابها الطمأنينة.
لكن ماذا يحدث حين يبقى التجاوز مهمة طرف واحد؟ حين يكون الشخص نفسه هو الذي يعتذر، ويبادر، ويصلح ما انكسر، ثم يُسأل، في كل مرة، لماذا تأخّر في الإصلاح؟
هنا يأخذ التنازل معنى آخر. يصير جهدًا متواصلًا لإبقاء العلاقة قائمة، ولو على حساب راحة من يحملها. وفي كل خلاف، تُستدعى طيبته لتكون الحل الأسهل: تحمّل أنت، فأنت الأوعى؛ وتجاوز أنت، فأنت الأقدر؛ وابدأ أنت، فقد اعتدنا منك ذلك. كأن الوعي تكليف بالصمت، وكأن القدرة على الاحتمال تعني أن صاحبها لا يتألم.
وقد نشارك، من حيث لا نقصد، في تثبيت هذه الصورة عن أنفسنا. نقول: «لا بأس»، فيما في داخلنا بأس كثير. نخشى أن يبدو العتاب جحودًا، أو أن يفسد الرفض ما بنيناه من مودة. فنخفي التعب حتى لا نثقل على أحد، ثم نتألم لأن أحدًا لم يلحظه. ولهذا، فإن إنصاف النفس يبدأ أحيانًا بكلام واضح تأخر طويلًا: هذا يؤذيني، وهذا يفوق طاقتي، وهذا لا أستطيع الاستمرار فيه.
غير أن الكلام المتأخر قد يفاجئ من اعتاد موافقتنا. يسمع الرفض حاضرًا، ولا يرى المرات التي سبقته؛ يرى الباب الذي أغلقناه اليوم، ولا يتذكر كم بقي مفتوحًا حين كنا نحن بحاجة إلى الراحة. وقد يختصر المسافة كلها في عبارة: «لقد تغيّرت».
نعم، ربما تغيّرنا. ربما صرنا أكثر صدقًا في التعبير عن قدرتنا، وأقل استعدادًا لإعطاء وعود نفي بها على حساب أنفسنا. وربما أدركنا أن استمرار العلاقة يحتاج إلى مساحة نستطيع فيها أن نرفض طلبًا، أو نختلف في رأي، من دون أن تصبح محبتنا موضع شك.
ومع ذلك، لا يمنحنا التعب حق التجريح، ولا يجعل كل رفض عادلًا لمجرد أنه جاء بعد صبر. من حق الآخر أن يسمع تفسيرًا، ومن حقه أن يعاتب باحترام. وعلينا أن نميّز بين تنازل يحفظ المودة ويفسح للتفاهم، وتنازل يتكرر حتى يمحو صوت صاحبه. فالمسألة ليست حسابًا دقيقًا لما أعطاه كل طرف، بقدر ما هي سؤال عن مكان الاثنين في العلاقة: هل يجد كل منهما من يسمعه، ويحترم تعبه، ويقبل اعتذاره؟
إن أكثر ما نحتاج إليه عند وضع حدودنا هو الثبات الهادئ. أن نقول ما نقدر عليه بوضوح، وأن نحفظ للآخر كرامته ونحن نحفظ كرامتنا. وقد لا يُفهم موقفنا من المرة الأولى، لكن العودة إلى كل ما كان يؤلمنا، لمجرد الخوف من سوء الفهم، ستترك الحديث الضروري مؤجلًا مرة أخرى.
لعلّ الامتحان الأصدق للمودة يأتي حين نعجز عن تلبية طلب. عندها نعرف إن كان لنا مكان حتى في تعبنا، وإن كان حضورنا محبوبًا حين لا يحمل معه خدمة أو تنازلًا.
من حق الإنسان أن يعطي بمحبة، وأن يجد، حين تنفد قدرته، من يقول له: لقد فعلت ما يكفي. ومن حقه، إن لم يسمعها، أن يقولها لنفسه.












