اختطاف الدماغ

كلنا تقريبًا فعلناها.
قلنا كلمة في لحظة غضب، أو اتخذنا قرارًا تحت الخوف، ثم هدأنا ونظرنا إلى ما فعلناه متسائلين:
كيف لم أرَ الأمر بهذه الصورة وأنا في قلب الموقف؟
أثناء قراءتي لكتاب ”الذكاء العاطفي“ لدانيال غولمان، وجدت اسمًا جذابًا لهذه اللحظة: ”اختطاف اللوزة“ «Amygdala Hijack».
واللوزة الدماغية «Amygdala» بنية صغيرة في عمق الدماغ، تؤدي دورًا مهمًا في التعامل مع الخوف والتهديد والانفعالات. والفكرة التي اشتهرت مع غولمان أن الانفعال الشديد قد يطغى على التفكير المتأني، فنقول أو نفعل شيئًا لا نراه بالصورة نفسها إلا بعد أن نهدأ.
شاع طويلًا تفسير مبسط لاستجابة الإنسان للخطر: تستنفر اللوزة، وينشط الجهاز العصبي السمبثاوي، ويدخل الجسم في حالة ”المواجهة أو الهرب“ «Fight or Flight». يتسارع القلب والتنفس، وتتأهب العضلات، ويتركز الانتباه على مصدر الخطر، وكأن الجسد يعيد ترتيب أولوياته دفعة واحدة؛ لأن ما يهم الآن ليس الهضم ولا التخطيط للأسبوع القادم، وإنما النجاة.
وفي الجهة الأخرى، يساعد الجهاز الباراسمبثاوي الجسم على العودة إلى الهدوء بعد زوال الخطر.
غير أن هذه الصورة، على بساطتها وجاذبيتها، لا تحكي القصة كاملة.
حدث لي هذا الجمود أكثر من مرة وأنا أخرج من البيت قبل الفجر متجهًا إلى المسجد، فأرى مجموعة من الكلاب الضالة في الطريق، وأنا ممن يهابون الكلاب.
لا أهرب فورًا.
أتوقف للحظات.
أتسمّر في مكاني.
درست عالمة الأعصاب الهولندية كارين رولفس هذه الاستجابة، وتشير أبحاثها إلى أن الجمود الدفاعي «Freezing» قد يكون حالة تأهب واستعداد للفعل، لا مجرد عجز عن الحركة.
كأن الجسم يقول:
قف. راقب. حدد مصدر الخطر. ثم تحرك.
لكن التسمّر أمام الخطر ليس حالة واحدة؛ فالجمود الدفاعي الذي يتيح المراقبة والاستعداد يختلف عن ”الجمود التوتري“ «Tonic Immobility»، الذي قد يحدث عند التهديد الشديد، خصوصًا عندما تصبح استجابات الدفاع الأخرى غير مجدية، فيعجز الإنسان عن الحركة المعتادة ويصبح في حالة شلل مؤقت.
والأمر لا يقف عند هذا الحد؛ فالسمبثاوي والباراسمبثاوي لا يعملان دائمًا كخصمين يتناوبان السيطرة، إذ قد ينشطان معًا وتتداخل تأثيراتهما بحسب طبيعة الخطر والاستجابة.
مصطلح ”اختطاف اللوزة“ ممتاز لوصف التجربة، لكنه وصف مجازي أكثر منه خريطة حرفية لما يحدث داخل الرأس.
فاللوزة لا تستولي وحدها على غرفة القيادة. استجابة الخطر تشترك فيها شبكة واسعة من مناطق الدماغ والجهاز العصبي والهرمونات.
وهنا تبرز أبحاث عالمة الأعصاب إيمي أرنستن من جامعة ييل حول تأثير الضغوط في القشرة أمام الجبهية «Prefrontal Cortex»، وهي المنطقة التي تشارك في التخطيط والذاكرة العاملة وضبط الاندفاع والمرونة في اتخاذ القرار.
وتشير أبحاثها إلى أن الضغوط الشديدة قد تضعف مؤقتًا بعض هذه الوظائف، فيما تكتسب الأنظمة الأسرع والأكثر تلقائية وزنًا أكبر. وقد وصفت هذا التحول بأنه انتقال من السيطرة التأملية إلى السيطرة الانعكاسية «Reflective to Reflexive Control».
الصورة، إذن، ليست عقلًا انطفأ فجأة، وإنما دماغًا أعاد ترتيب الأولويات وغيّر من يمسك بالمقود في تلك اللحظة.
غيّر المدير المناوب.
لنتخيل مشهدًا افتراضيًا من حياة أسلافنا قبل آلاف السنين.
سمع أحدهم حفيفًا خلف الأشجار. هل هي الريح؟ أم حيوان مفترس؟
كان بإمكانه أن يتوقف ويحلل الاحتمالات، ويجمع الأدلة، ويوازن بينها بهدوء، لكن المشكلة أن الأسد، إن كان هناك أسد فعلًا، لن ينتظر انتهاء جلسة التحليل.
أن تهرب من شيء اتضح أنه مجرد ريح يكلفك قليلًا من الطاقة. أما أن تعتبر الأسد مجرد ريح، فقد تكون تلك آخر فرضية تضعها في حياتك.
هذه المفاضلة هي ما يحاول عالم النفس التطوري راندولف نيسي تفسيره من خلال ”مبدأ كاشف الدخان“ «Smoke Detector Principle»، وهو إطار نظري يشرح لماذا قد تنتج أنظمة الدفاع التي تطورت لحمايتنا إنذارات كاذبة، عندما تكون كلفة الإنذار الزائف أقل بكثير من كلفة تفويت خطر حقيقي.
فجهاز كشف الدخان الذي يوقظك بسبب قطعة خبز احترقت قد يكون مزعجًا، لكنه أفضل من جهاز لا يستجيب إلا بعد أن تلتهم النيران المنزل!
ووفق هذا التصور التطوري، قد تكون حساسية استجابات الخوف، بما يصاحبها أحيانًا من إنذارات زائفة، جزءًا من ثمن الحماية من الأخطار الجسيمة.
أما اليوم، فلم تعد معظم أخطارنا تخرج من خلف الأشجار. قد يكون ”الأسد“ سيارة قطعت عليك الطريق، أو كلمة مهينة، أو مشادة عائلية، أو رسالة مستفزة، أو خسارة مفاجئة.
ويظل نظام الاستجابة للخطر حاضرًا، حتى حين يكون التهديد الحديث مجرد شاشة هاتف.
واللافت أن الإنسان وصف هذه اللحظة قبل أن يعرف شيئًا عن اللوزة أو القشرة أمام الجبهية.
يقول القرآن الكريم في قصة نبي الله موسى
:
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ «الأعراف: 154».
تعبير ”سكت عنه الغضب“ لافت؛ كأن للغضب صوتًا يعلو، ثم يسكت.
ولا أقصد بذلك إسقاط علم الأعصاب الحديث على النص القرآني، وإنما ملاحظة الوصف الإنساني العميق لحالة الانفعال ثم لحظة سكونها.
وفي موضع آخر يقول تعالى:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ «آل عمران: 134».
فالآية لا تنكر الغيظ؛ إنما تمدح كظمه.
الفضيلة ليست في ألا يغضب الإنسان، وإنما في المسافة التي يصنعها بين الغضب والاستجابة له.
ورد عن النبي محمد ﷺ، في حديث رواه أبو داود عن أبي ذر:
”إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع“.
ولا نحتاج إلى تحميل الحديث تفسيرًا عصبيًا حديثًا حتى نرى حكمته العملية: غيّر وضعك، ولا تجعل لحظة اشتعال الانفعال هي نفسها لحظة اتخاذ القرار.
ومن جهة علم النفس والأعصاب، نعرف أن الضغوط الشديدة قد تُضعف بعض وظائف التفكير المتأني وضبط الاندفاع. لذلك فإن الابتعاد المؤقت عن مصدر الاستفزاز، وتأجيل الرد أو القرار المهم، قد يمنحان الإنسان فرصة لاستعادة هدوئه وإعادة تقييم الموقف.
وليس معنى ذلك أن تغيير وضعية الجسم ثبت علميًا أنه يعيد القشرة أمام الجبهية إلى عملها بضغطة زر؛ فالدماغ أكثر تعقيدًا من ذلك.
وصلك بريد إلكتروني من مديرك يحمل نقدًا حادًا لعملك، فكتبت ردًا طويلًا تدافع فيه عن نفسك وتردّ على كل عبارة. قبل أن تضغط زر الإرسال، اترك الرسالة في المسودات. عد إليها بعد أن تهدأ؛ فقد تكتشف أن نصف ما كتبته لا يخدم موقفك، وأن النصف الآخر يمكن قوله في ثلاثة أسطر.
أو اشتد خلاف بين زوجين، وبدأ كل طرف يستحضر خلافات السنوات الماضية، حتى لم يعد أحدهما يناقش المشكلة التي بدأت منها المشادة. هنا قد يكون الاتفاق على تأجيل النقاش إلى وقت أهدأ أجدى من الإصرار على حسمه في اللحظة نفسها.
الفكرة ليست أن نتجاهل المشكلة أو نهرب من مواجهتها، بل ألا نمنح الانفعال حق اتخاذ القرار نيابةً عنا.
لكن فهم ما يحدث داخل الدماغ أثناء الغضب لا يعني إعفاء الإنسان من مسؤولية كل ما يقوله أو يفعله. فليس كل من غضب وفقد أعصابه قد فقد أهليته أيضًا، ولا يكفي أن يقول بعد أن يهدأ: ”كنت غضبان“ ليحصل على اشتراك مجاني في نادي فاقدي الأهلية!
فالمعرفة بما يحدث داخلنا ليست عذرًا مفتوحًا لما نفعله، بل قد تكون سببًا إضافيًا لنتعلم كيف نتصرف.
حين نهدأ بعد موقف شديد، قد نكتشف أن الصورة التي بدت لنا حاسمة قبل دقائق لم تعد حاسمة، وأن الرد الذي كان يبدو ضروريًا صار مبالغًا فيه، وأن شيئًا من قدرتنا على التقدير عاد إلى مكانه.
ربما لم يكن الدماغ متوقفًا عن العمل حينها.
كان يعمل، لكن وفق ترتيب مختلف للأولويات.
ويبقى السؤال الذي يلخص الحكاية كلها:
من كان المدير المناوب؟
تروي إمبراطورة روسيا كاترين الثانية «كاترين العظيمة» أن زوجها القيصر بطرس الثالث وجد فأرًا قد تسلل إلى حصنه المصنوع من الورق المقوى والتهم اثنين من جنوده الصغار، فقبض كلبه على ”الجاني“، وحاكمه عسكريًا، ثم أعدمه شنقًا وتركه معلقًا للعبرة.
وعلقت كاترين ساخرة بأن الفأر أُعدم من دون أن يُستجوب أو تُتح له فرصة الدفاع عن نفسه.
ويبدو أن المحكمة كانت مستعجلة… أما المتهم فلم يُعرف عنه أنه تقدم باستئناف.












