آخر تحديث: 21 / 10 / 2026م - 1:57 م

العقل الذي يسكنه الغيب

قراءة نقدية في العقل والتأويل وصناعة اليقين

علي البحراني *


ليس أخطر ما يواجه العقل أن يجهل، بل أن يجهل وهو يظن أنه يعلم، وأن يخلط بين ما يؤمن به وما يعرفه، ثم يمضي في حياته مطمئنًا إلى أن تفسيره للعالم هو العالم نفسه.

ثمة عقل لا يكتفي بما يراه، ولا يطمئن إلى ما تثبته التجربة، بل يبحث خلف كل حادثة عن يد خفية، وخلف كل مصادفة عن تدبير غيبي، وخلف كل عثرة عن عين حاسدة، وخلف كل حلم عن رسالة، وخلف كل خوف عن جن يتربص به، فإذا مرض بحث عن الحسد، وإذا تعثرت تجارته استدعى العين، وإذا رأى حلمًا نصب له محكمة للتأويل، وإذا عجز عن تفسير ظاهرة لم يقل: ”لا أعرف“، بل قال: ”أعرف، ولكن معرفتي من عالم لا تبلغه أدواتكم“.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

ليست المشكلة في وجود المجهول، بل في تحويل المجهول إلى معلوم بلا دليل.

فالإنسان، منذ أن رفع رأسه إلى السماء وسأل عن الموت والمرض والرزق والمصير، وهو يصنع تفسيرات لما يعجز عن فهمه. كانت الأسطورة، في بعض المجتمعات القديمة، محاولة لترويض الخوف، ومنح الفوضى معنى، وإقامة جسر بين محدودية الإنسان واتساع الكون. لكن المأساة تبدأ حين تتحول الحكاية التي كانت عزاء إلى حقيقة لا يجوز اختبارها، وحين يصبح السؤال اعتداء على المقدس، ويغدو الشك تهمة، ويصبح التفسير الموروث أقوى من الواقعة نفسها.

إن العقل لا يُختبر بما يعرفه فحسب، بل بما يفعله حين لا يعرف.

النص حين يغادر لغته ويسكن رؤوسنا

لنتأمل كلمة واحدة، هي ”العين“.

قد تكون عضوًا يرى، وقد تتحول في المخيال الاجتماعي إلى قوة تفسر المرض والخسارة والفشل وتبدل الأحوال. وهنا لا نناقش مجرد مفردة، بل نناقش رحلة طويلة من النص إلى الاعتقاد، ومن الاعتقاد إلى تفسير الوقائع، ومن تفسير الوقائع إلى صناعة يقين لا يحتاج إلى برهان.

والأمر نفسه ينسحب على الجن والأحلام والرؤى والحسد والتخيلات، فهذه ليست أشياء من طبيعة واحدة حتى نضعها جميعًا في سلة معرفية واحدة. فالجن مفهوم ديني وغيبي، والحسد انفعال إنساني معروف، والحلم ظاهرة مرتبطة بالنوم، والرؤيا وصف قد يحمل معنى دينيًا عند المؤمن، أما التخيل فمن وظائف الذهن. لكن الخلط يبدأ حين ننتقل من وجود التجربة إلى الجزم بسببها، ومن إمكان الشيء إلى إثبات وقوعه في حادثة بعينها.

أن تحلم بشخص ثم تراه في اليوم التالي لا يثبت أنك اطلعت على الغيب، وأن تمرض بعد زيارة أحدهم لا يثبت أنه أصابك بعينه، وأن تمر بالخوف في بيت مظلم لا يعني أن كائنًا خفيًا يسكنه. قد تكون التجربة صادقة في شعور صاحبها، لكن صدق الشعور لا يساوي بالضرورة صحة التفسير.

الإنسان قد يكون صادقًا تمامًا في وصف ما شعر به، ومخطئًا تمامًا في تفسير ما حدث له.

وهذه مسافة شاسعة بين التجربة وتأويلها، لا يقطعها اليقين وحده مهما رفع صوته.

مأساة الفهم الممسوخ

المشكلة ليست في النص وحده، ولا في القارئ وحده، وإنما في العلاقة التي تنشأ بينهما حين تتدخل الرواية الموروثة، والخوف الاجتماعي، وسلطة الواعظ، وحاجة الإنسان إلى تفسير سريع.

قد يقرأ المرء نصًا دينيًا فيفهمه ضمن سياقه اللغوي والتاريخي، وقد يقرأه آخر فينتزع منه عبارة، ثم يضيف إليها روايات متراكمة، ثم يربطها بحكاية سمعها من جدته، ثم يخرج من هذا الخليط بنظرية شاملة عن الحياة.

وبعد سنوات قد ينسى مصدر اعتقاده، لكنه لا ينسى الاعتقاد نفسه، فتصبح الحكاية جزءًا من ذاكرته، وتتحول الذاكرة إلى شاهد، ويصبح الشاهد دليلًا، ثم يُتَّهم كل من يطلب الدليل بأنه لا يفهم الدين.

وهكذا تتأسس دائرة مغلقة؛ فالاعتقاد يفسر الحادثة، والحادثة تؤكد الاعتقاد، وكل واقعة مخالفة تُستبعد أو يعاد تأويلها حتى تنسجم معه.

وقد تناولت مراجعة منهجية منشورة في دورية ”بلوس ون“ عام 2022، وشملت 71 دراسة و 20,993 مشاركًا، العلاقة بين المعتقدات الخارقة للطبيعة والأداء المعرفي، ووجد الباحثون ارتباطات أكثر اتساقًا بين هذه المعتقدات والتفكير الحدسي والتحيز التأكيدي، مع تفاوت النتائج بين المجالات ووجود قيود منهجية تستوجب الحذر في التعميم.

لا تعني هذه النتائج أن المسلم أقل عقلًا، ولا أن التدين مرادف للخرافة، ولا أنها تحسم صحة المعتقدات الدينية من عدمها، وإنما تضع أمامنا سؤالًا أدق:

هل نختبر تفسيراتنا بالأدلة، أم ننتقي من الوقائع ما يوافق ما نعتقده مسبقًا؟

حين يصبح الجهل تفسيرًا جاهزًا

تخيل رجلًا تعطلت تجارته، ففسر خسارته بالحسد، ولم يراجع حساباته، ولم يدرس السوق، ولم يسأل عن سوء الإدارة أو تغير الأسعار. لقد وجد تفسيرًا يريحه من مراجعة نفسه.

وتخيل شخصًا آخر يعاني الأرق، فيبحث عن تفسير غيبي قبل أن ينظر في عاداته اليومية أو حالته النفسية أو الأسباب الصحية المحتملة.

وتخيل ثالثًا يختلف مع إنسان، ثم يربط كل مصيبة تصيبه بذلك الخلاف، كأن الكون قد عيّن خصمه مسؤولًا عن إدارة شؤونه.

ما الذي يجمع هذه الأمثلة؟

ليس بالضرورة الاعتقاد بالغيب، وإنما إغلاق باب الاحتمالات مبكرًا، واستبدال البحث عن الأسباب بتفسير يمنح صاحبه شعورًا زائفًا بالمعرفة والسيطرة.

والسخرية هنا أن بعض الناس يرفضون تصديق تقرير طبي يحتاج إلى فحوص متعددة، ثم يصدقون حكاية عن عين حاسدة رواها شخص مجهول بلا اسم ولا تاريخ ولا وسيلة للتحقق.

إنهم لا يطلبون الدليل من كل تفسير، بل يطلبونه فقط من التفسير الذي لا يريدون تصديقه.

وهذه ليست مشكلة دينية خاصة، بل آفة بشرية تظهر في السياسة والطب والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، وتستفيد من حاجتنا إلى إجابات سريعة في عالم لا يقدم لنا يقينًا كاملًا عن كل شيء.

الغيب ليس ترخيصًا لادعاء المعرفة

هنا ينبغي التمييز بين أمرين يخلط الناس بينهما باستمرار، وهما: الإيمان بوجود غيب، والادعاء بمعرفة تفاصيل الغيب.

قد يؤمن الإنسان بعالم يتجاوز إدراكه الحسي، لكنه لا يصبح بذلك قادرًا على تحديد أسباب كل مرض أو تفسير كل حلم أو معرفة من حسده أو اكتشاف وجود الجن في كل مكان يبعث على الخوف.

الإيمان بالغيب في حد ذاته لا يمنح صاحبه علمًا تفصيليًا بكل واقعة غيبية يدعي تفسيرها.

ومن حق المؤمن أن يحتفظ بمعتقده الديني، لكن من حق العقل أيضًا أن يسأل: ما الدليل على أن هذا الحدث المعين وقع بسبب تلك القوة الغيبية؟ وكيف نميز بين التفسير الصحيح والتخمين؟ وهل توجد تفسيرات أخرى أكثر قابلية للاختبار؟

إن قولنا ”لا أعلم“ ليس إعلانًا للهزيمة، بل اعترافًا بحدود المعرفة، وقد يكون هذا الاعتراف أشرف معرفيًا من عشرات الإجابات الواثقة التي لا تستند إلى شيء.

فالعلم لا يبدأ حين نملك جوابًا لكل سؤال، بل حين نعرف أي الأسئلة يمكن اختبارها، وما الأدلة المطلوبة، ومتى يجب تعليق الحكم.

وفي فلسفة العلم يرتبط اسم كارل بوبر بمفهوم قابلية الدحض، أي إمكان تحديد ما الذي يمكن أن يظهر خطأ الادعاء. وليس هذا المعيار وحده تعريفًا شاملًا لكل معرفة علمية، لكنه يوضح أهمية ألا نصوغ ادعاءات تحصن نفسها من كل اعتراض، بحيث يصبح كل دليل ضدها دليلًا لها أيضًا.

إذا قال شخص إن كل ما يحدث له دليل على الحسد، فإن نجاحه عنده قد يكون بسبب زوال الحسد، وفشله بسبب اشتداده، وشفاؤه بسبب العلاج أو الرقية، وعدم شفائه بسبب قوة العين. فأي نتيجة كانت ستحدث، سيجد لها تفسيرًا يثبت اعتقاده.

لكن الاعتقاد الذي يستطيع صاحبه تفسير كل نتيجة بما يحفظه من الخطأ لا يصبح أقوى بالضرورة، بل قد يصبح فقط أصعب اختبارًا.

الحلم الذي صار محكمة للمستقبل

من أكثر المساحات التي تكشف هشاشة التأويل الإنساني مساحة الأحلام.

يحلم المرء بحادثة، ثم تقع حادثة تشبهها، فيتذكر الحلم ويمنحه مكانة استثنائية، لكنه قد يحلم عشرات الأحلام التي لا يتحقق منها شيء، ثم ينساها أو لا يرويها لأحد.

هنا تعمل الذاكرة الانتقائية، فتبقى الحالات اللافتة في الذهن، وتتراجع الحالات التي لا تنسجم مع القصة. ويضاف إلى ذلك اتساع التأويل، فكلما كان وصف الحلم غامضًا، ازدادت احتمالات العثور على واقعة يمكن مطابقتها به لاحقًا.

ولذلك لا يصح أن نخلط بين تجربة الحلم، وهي تجربة نفسية يعيشها النائم، وبين الادعاء بأن الحلم يكشف المستقبل، فالثاني يحتاج إلى دليل مستقل، لا إلى الإعجاب بقصة نادرة أو رواية متداولة.

والأمر ذاته ينطبق على الرؤى، إذ يمكن للإنسان أن يمنحها قيمة روحية شخصية، لكن تحويلها إلى حكم على الآخرين أو تشخيص لمرض أو تنبؤ مُلزم بالمستقبل يحتاج إلى ما يتجاوز الشعور الذاتي.

إن أخطر الأحلام ليست ما نراه أثناء النوم، بل ما نصنعه ونحن مستيقظون حين نمنح تأويلاتنا سلطة لا تملكها الأدلة.

من يحرس العقل من مفسريه؟

ليست المشكلة في رجل يعتقد اعتقادًا شخصيًا فحسب، بل في مجتمع يمنح بعض التأويلات حصانة من النقد، ثم يسمح لها بالتدخل في العلاج والزواج والرزق والعلاقات والقرارات المصيرية.

قد يتهم إنسان بأنه محسود، فيفسر نجاحه أو فشله وفق ذلك، وقد تُتَّهم امرأة بأنها سبب النحس في بيتها، وقد تُنسب أزمة نفسية إلى مس غيبي من دون تقييم مهني، وقد تُستنزف أموال أسرة في مطاردة أسباب لا يمكن التحقق منها، بينما تتأخر الأسرة في طلب المساعدة المناسبة.

وعندما يحدث ذلك، لا يعود النقاش مجرد خلاف في تفسير النصوص، بل يصبح سؤالًا عن المسؤولية الأخلاقية.

من يتحمل عواقب تفسير غير مثبت إذا دفع إنسانًا إلى ترك العلاج أو ظلم زوجته أو اتهم جاره أو خسر ماله؟

لا يكفي أن يقول صاحب التفسير إنه يؤمن به، فالإيمان الشخصي لا يعفي من المسؤولية حين يتحول إلى ادعاء عن الآخرين أو إلى تدخل في حقوقهم أو إلى نصيحة ذات آثار صحية ومالية واجتماعية.

والمجتمع الذي يريد حماية تدينه من الابتذال يحتاج إلى حماية العقل أيضًا، لأن الخرافة لا تسيء إلى التفكير النقدي وحده، بل قد تسيء إلى الدين حين تجعل منه سوقًا للخوف، وتمنح كل مدع فرصة للحديث باسم الغيب.

هل المشكلة في النص أم في قارئه؟

من الظلم أن نختزل العقل المسلم في الخرافة، كما أنه من الخطأ أن نزعم أن كل ما يتصل بالغيب خرافة. فالمسلمون مثل غيرهم ليسوا كتلة عقلية واحدة؛ ففيهم من يمارس النقد والبحث، وفيهم من يخلط بين الموروث والحقيقة، وفيهم من يقرأ النص قراءة أخلاقية، وفيهم من يحوله إلى مستودع لإجابات جاهزة.

والنصوص الدينية نفسها تحتاج إلى قراءة تراعي اللغة والسياق، والتمييز بين المحكم والمتشابه، وبين الخبر والتفسير، وبين ما يقوله النص وما أضافته إليه التقاليد اللاحقة.

ليس كل فهم موروث باطلًا، وليس كل فهم جديد صحيحًا، لكن قدم الفكرة لا يمنحها العصمة، وشيوعها لا يحولها إلى حقيقة، وكثرة من يرددونها لا تعوض غياب البرهان.

وهنا تتجلى قيمة السؤال النقدي.

ما الذي يقوله النص فعلًا؟ وما الذي أضفناه نحن إليه؟ وما الذي نعرفه من التجربة؟ وما الذي لا نزال نجهله؟

هذه الأسئلة لا تهدم الإيمان بالضرورة، بل تمنع الإنسان من أن ينسب إلى الدين ما صنعه خوفه أو ما لقنته له بيئته أو ما استنتجه من حكاية لم تختبر.

حرر عقلك من يقينك السهل

إن العقل الذي يسكنه الغيب ليس عقلًا يؤمن بوجود ما وراء المحسوس فحسب، بل هو في الصورة التي ننتقدها هنا عقل يسمح لتفسير غير ممحّص أن يسكن كل زاوية من حياته، حتى لا يبقى للواقع حق الاعتراض.

يخاف فيستدعي الجن، ويفشل فيستدعي الحسد، ويحلم فيستدعي النبوءة، ويجهل فيستدعي التأويل، ثم يضع فوق كل ذلك ختمًا من اليقين.

والمفارقة أن الإنسان الذي يظن نفسه محاطًا بأسرار لا يراها أحد قد يكون أبعد الناس عن معرفة الأسباب التي يستطيع بالفعل اكتشافها.

ليس المطلوب أن نمنع الإنسان من الإيمان، ولا أن نسخر من مخاوفه، ولا أن ندعي أن العلم أجاب عن كل شيء. المطلوب أن نعيد لكل نوع من المعرفة حدوده، وألا نخلط بين الاعتقاد والبرهان، أو بين الاحتمال والحقيقة، أو بين احترام المقدس وتقديس كل تفسير بشري له.

فحين لا نعرف فلنقل: ”لا نعرف“، وحين نرجح فلنقل: ”نرجح“، وحين نؤمن فلنميز بين إيماننا وبين ما نستطيع إثباته للآخرين.

إن العقل لا يتحرر حين يتخلص من كل غيب، بل حين يتخلص من وهم امتلاك الغيب، ومن الغرور الذي يحول ظنونه إلى حقائق، وتأويلاته إلى قوانين، وخوفه إلى معرفة.

ذلك أن الجهل ليس عيبًا دائمًا، فكلنا نجهل أشياء كثيرة، لكن العيب أن نغلق باب المعرفة كي نحمي جهلنا، ثم نطالب العالم كله بأن ينحني أمامه.

Dean, C. E., et al. (2022). Paranormal beliefs and cognitive function: A systematic review and assessment of study quality across four decades of research. PLOS ONE, 17 (5) , e0267360.

van Elk, M. (2013). Paranormal believers are more prone to illusory agency detection than skeptics. Consciousness and Cognition, 22 (3) , 1041-1046.

van Elk, M. (2022). Proximate and ultimate causes of supernatural beliefs. Frontiers in Psychology, 13,949131.

Willard, A. K., & Norenzayan, A. (2013). Cognitive biases explain religious belief, paranormal belief, and belief in life’s purpose. Cognition, 129 (2) , 379-391.