قراءةٌ في ديوانِ ”هِجرة الشَّمس“..
حَيرةُ أدُونِيس
لا يقاربُ أدونيس القصيدةَ كعبور، بل يراها كوجُود، إذ تتقاطعُ مع الحقيقة، وتجادلُ الشك واليقين؛ لتبلغ أعماقَ الإنسان، ثم تعود إلى السَّطح، فتراوغ الحيَاة والممات، حيث تطرحُ أسئلة ولا تجيبُ عليها؛ لتضعَ الحقيقة في اختبارٍ دائم، لا يُفضي إلى نتيجة، ولا يصلُ حد القطِيعة، هذا ما يطرحهُ ديوان ”هجرةِ الشَّمس“، الذي يمزجُ الخيالي بالواقعي، والرمزيَّ بالحقيقي؛ من أجلِ بلوغ وعيٍ أعلى، وفهمٍ أعمق، وإدراكٍ أوسع.
التمهيدُ عتبة هامة تساعدُ القارئ على إمساكِ دلالات الديوان، خصوصاً مع استبعاد الكثيرِ من العناوين الداخلية، حيثُ انتقال الدلالة من انفتاحِ الحياة إلى ضيقِ الحروب، التي باتت تلتهمُ كل شيء: "إنها الحربُ! وحش يلتهمُ الكون!
وما أكثرَ جمعيات الرفقِ بهذا الحيوان!"
كثرةُ علامات التعجُّب لها وظيفةٌ دلالية، إذ تثيرُ القارئ وتدفعهُ للبحث عن سببٍ لما يحدث، حيث الحربُ كائن أسطوري يلتهمُ الكون ويسعى إلى تدميره، بينما البشرُ في سبات، كأنهم سائرونَ إلى نهايتهم، دونَ القدرة على منعِها، حتى وإنْ امتلكوا تعاليمَ دينية وأخلاقية ومِثالية: ”غالباً، أتخيل أن التعاليم... ترَّهات“
حينَ تصبح التعاليم كلماتٍ بلا قيمة ولا تأثير، سيتَّجه إلى رفضِها ورفض العَالم: ”هكذا أتوغَّل في الرفض“، فالإنسانُ ليس ”إلا سؤالاً“ نابتاً في ذاكرةِ الوجود، وعندما لا يُجاب عليه؛ تنقطعُ الصلات بينه وبين البشرِ الآخرين؛ لهذا يحضرُ ”الشعر“، باعتباره ميزانَ الحياة، وطريقَ الإجابة على أصعبِ الأسئلة: "أعرفُ الآن، يا أيها الشعرُ
ماذا تقولُ مداراتك الرائيه.
للحقيقةِ ثديان: ثديٌ
للرَّضاع، وثديٌ
للحياة على شفرةِ الهاويه"
مشكلاتُ العالم تتمثل في الحروبِ العبثية، حيث يعيشُ الإنسان مأساة تتكرَّر، ومن أجلِ إيقافها تُطرح الأسئلة لمنعِ أسبابها، لكن بلا فائدة، إذ الحربُ لا تتوقف ”أ/ألف“: "جلس الوقتُ يتلو عليَّ مزاميرهُ
وجلستُ أعدُّ الحروفَ التي خانهُ
النُّطقُ فيها.
شغفي جنَّحتهُ أساطيرهُ."
وجودٌ مزدحم بشتَّى المشكلات، فالفرقةُ بين البشر لا تأتي من خيَال، بل عبر تاريخٍ طويل من الأفكارِ والديانات، حيثُ بائعو الوهم يتناسلُون، أما الحل فيكمنُ في ”الحوار“، وحدهُ يستطيع تقريبَ المسافات وإبعادَ الخلافات ”ينابيع“: "هو ذا أتعلَّم كيف يكون الحِوار
بين شيءٍ أصمٍّ وآخرَ أبكمَ. لكن
من أسائلُ: من أين يأتي هواء الحقيقةِ قولي
يا طريق الترحُّل في التِّيه، يا أبجديَّة هذا الغُبار"
العبثُ الوجودي والفوضى الحيَاتِية تسيطر على إنسانِ الزمن الراهن، فلا يعودُ يدرك الأزمنةَ والأمكنة ”المكان يُسائل: أين المكان؟ والزَّمان يجرُّ الزَّمان“؛ لينتقلَ بعدها إلى مقاربةِ أسئلة الحقيقةِ، التي تحتاجُ إجابات قاطِعَة ”فلك“: "ما الحقيقة إن لم يكُ الشِّعر مفتاحَها؟
يا للحَيرةِ، حين تكون الحيرةُ شمسًا"
تنهشُ الحيرة أفكارَه وتزداد الفوضى، فيهربُ ولا يعرف إلى أينَ؟ وكلَّما اقترب من الحقيقةِ وجد نفسه مبتعداً عنها، إذ الحياةُ متناقِضَات لا تنتهي، أمَّا النتيجة فإصابتهُ بالجنون، حيثُ يصرخ ”كيفَ أسافر خارجَ نفسي وفي داخلي قَاراتٌ لم أعرفها بعد“؛ ليتمثَّل الحل بلجوئهِ للشعر ”لا شيء، لا شيء“: "إلى أين؟
نجمة المكانِ تكادُ أن تنطفئ
والزَّمنُ قِنديلٌ شاحبٌ
اسأل نفسكَ
لا تسألني
ليس هناك أفقٌ مسدودٌ إلا في مُخيَّلتكَ"
الإجابةُ في رأسك لكنَّك أعمى، تغمضُ عينيك وترفض رؤيةَ الحقيقة، التي ستغدو تائِهةً وضائِعة، بينما تتحوَّل إلى قاتلٍ! أو ضحيَّة: ”لا تقلِ الحقيقةَ لئلَّا يقتلك الذين يُصغون إليكَ / قلِ الحقيقة لكي لا تصيرَ قاتلًا!“، وهذا ما يجعلُ اللجوء إلى الحلم أمراً مشروعاً؛ ليرى الواقعَ ولا يتأثَّر به ”الغراب الأول“: "لا أحلمُ إلا لكي أرى الواقع، - واقعيًّا،
أو لكي أُحسنَ رؤيتَه".
أمَّا النهاية فهي الحَيرة المطلقة: "زمني، وحيدًا، يقاتلُ الزَّمن كُلَّه:
ما أصعب حياتي، وما أسهلها!"
الزمنُ الراهن ”عصرٌ يتتلمذُ فيه القتلُ على القتل“، يؤدِّي بالإنسان إلى أنْ يعبُر الحياة، دونَ أن يستمتعَ بها ”يكاد كثيرٌ من أصحابي، كمثلي: أن يعبروا الحياةَ دون أن يروها، حقًّا“، ثم يأتي الختامُ بسؤال لتكريسِ الحيرةَ المطلقة ”التوأم“: "ربما لا يحقُّ لمن يعشقُ الضَّوء والشَّمس
إلا أن يعيشَ مطموسًا بالظُّلمات وفي مستوى الغبار"
الارتهانُ لليأس والعيشُ ضمن أزماتٍ لا تنتهي، تدفعُ ناحية البحثِ عن ”خلاص“، إذ لا يمكنُ الثقة بالذَّات والحياة في ظلِّ ما يُشاهَد من ”قتل“ و”خراب“؛ ليغدوَ في حالة مستمرَّة من التفكيرِ والترحال ”ت / تاء“: "كلُّ أسفاريَ الآن شكلٌ آخرٌ لخلاصيَ من حَيرتي،
هل أقول، إذًا، كي أُطمئِن نفسي:
سفري نفسُه حيرةٌ؟"
حيرةُ أدونيس مستمرَّة، فطالما القتلُ واليأس دَيدَنُ الإنسان، إذنْ سيكون من الصَّعب تجاوز المأساةِ وإيجاد الخلاص، فإذا كَانت الحياة تكبيلٌ وقيود، فإنَّ الموت أيضاً لا يحرِّر الروح، بل يزيُد في تكبيلها وآلامها ”ش / شين“: "الموت يحرِّر؟ كلا!
لا يُنقذنا
إلا ما نُبدعه".
الخلاصُ بيد الإنسان، حينَ يخترع عالماً جديداً مختلفاً، لا حروبَ ولا ”خراب“ ولا ألمَ ولا ”مأساة“، فينتقلُ من ”شك“ إلى ”يقين“، ومن زمنٍ فارغ إلى زمن محبَّة وبهجة، هكَذا تنتهي المصائب، ويحصلُ على طمأنينةٍ افتقدها، وظل زمناً يبحث عنها!
سؤالُ ”الخلاص“ يلحُّ عليه، فينتقلُ من ”الشك“ إلى ”اليقين“، عبرَ ”ترحال“؛ بحثاً عن إجابات، حول كيفيَّة إيقافِ ”الحروب“ العبثيَّة، لكنَّه انتقال بلا جدوى، فالأسئلة ظلَّت مُعلَّقة؛ ليستمرَّ الشك دون أن يبلغَ اليقين، ما يدلُّ على استمرارِ الحيرة والتردُّد ”ع / عين“: "هي ذي بُحَّة الأزمنه
أخذت تكتب الخفيَّ البعيد وتُعطي
شفتيها إلى لغة الأمكنه.
دائمًا، تنزلُ النَّبوءاتُ من شفتيْ عاشق.
دائمًا أترحَّل في لُجَّةٍ - سؤالٍ:
لا مكوثٌ طويلٌ هداني إلى من أكونُ، ولم يهدني
سفرٌ يتواصل، - ماذا؟
أتراه المكانُ وإن كان شعرًا،
طريقٌ إلى لا مكان؟"












