آخر تحديث: 20 / 10 / 2026م - 1:20 م

بيوت عريقة.. وبيوت عنكبوت

المهندس أمير الصالح *


مقدمة

مع انتشار حملة شهادات التعليم الأكاديمي وسهولة اقتناء المنتجات التكنولوجية وتكاثر تطبيقات التأثير الاجتماعي، أصبحنا نتطلع، كما تتطلع كل الأمم، إلى أن تتكاثر إبداعات الأفراد داخل كل أسرة، ليكوّنوا لأنفسهم ولبيوتهم رصيدًا اجتماعيًا وعلميًا مرموقًا. وبعد بذل الجهود الحثيثة والمتراكمة، يكبر ذلك الرصيد حتى يبلغ الذروة، ويُتوَّج بإدراج تلك الأسرة وذاك البيت ضمن البيوت العريقة، ويُشار إليهم بالبنان، ويُفتخر بهم نسبًا ومصاهرةً وصلةً. وفي ذات الوقت، كنا نحن والأوفياء الآخرون نخشى أن تضمر إبداعات الأفراد أو يسوء سلوك البعض أو يتمادى البعض في انحداره وإجرامه وسفاهته وفسقه وتلويثه للأخلاق العامة، فيتلاشى الرصيد الاجتماعي له ولأسرته رويدًا رويدًا بسبب فجور سلوك أفراده حتى يضمحل، فيصبح ذلك البيت محط سخط ونفور واشمئزاز.

الحوار

في الوقت الذي نفتخر فيه بتزايد عدد أهل النخوة والشهامة والعفة والأخلاق المحمودة والمبادرات الخلاقة والأعمال الخيرية الطيبة، يؤرق المجتمع عدد غير قليل من الناس، لا سيما محدثي النعمة ومستهلكي التقنية الرقمية ومتفككي الأواصر الأسرية، ممن لا يفهمون طبيعة البيوت الأصيلة والعريقة وتاريخها وأدبياتها وأعرافها وتراتبيتها وطبيعة وشائجها وقوة ترابط أفرادها. وكثير من أولئك الذين ينخرون في المجتمع كالسوس لم يفقهوا شيئًا عن مكامن الوفاء والحب والولاء بين أفراد الأسرة العريقة والمجتمعات المتجذرة، ولم يعوا مفاهيم الإيثار وقوة التضحية وصون سمعة وشرف العائلة والمجتمع وتراثه الأخلاقي وأعرافه الإنسانية الراقية؛ ولذلك يتعامل الجهلاء والسفهاء مع أهل الشيم والهمم بأدبيات وقصص متدنية مختلقة وفضول أجوف وخيال أحمق وأدبيات هزلية سوقية، بناءً على استنساخ لقطات تلفزيونية كوميدية هابطة أو اجتزاء موقف من حدث تم اختزاله ولم يدركه السوقة، ظنًا بأن ذلك الموقف المجتزأ بداية قطيعة أو شرارة تشرذم أو إعلانًا عن انهيار أسرة عريقة أو مجتمعات ضاربة الجذور.

الأسر العريقة والأصيلة والعفيفة والمحافظة تربّى أفرادها على أدبيات وأعراف وسلوكيات عالية. وكان أفرادها وما زالوا يتشربون القيم ويتغذون من نور الإيمان ويلتفون حول قيم الولاء بعضهم لبعض، ويتعاملون ضمن أطر الأخلاق الحميدة والتواضع والاحترام وأمانة الكلمة وتحمل المسؤولية ورص الصفوف والتعاون على البر ونبذ الفسوق وعزل الابتذال. حتى أضحى كل موقف صعب وكل حدث مزلزل بمثابة محطة تجديد عهد بميثاق أخلاقي بين الأطراف جميعًا ليكونوا أكثر وفاءً وصلابةً، وأجدى رشدًا وحكمةً، وأعمق ترابطًا وتعاضدًا.

لعل التصورات السخيفة التي تنبت في أذهان البعض من الكسالى والتنابلة وقليلي التربية من سفهاء المجتمع نحو بعض الأسر الناجحة والمجتمعات المتعففة والمثابرة والصانعة لمجدها، ليست سوى إسقاطات تربوية لتجارب فاشلة عاشها السفهاء وأولئك التنابلة في بيوت متفككة، فأضحوا يروّجون لكل إشاعات الانشقاق ويفرحون بنشر قصص الرذيلة ويعمقون الجراحات ويرقصون على آلام المجتمع ويجعلون من أهاليهم مادة للفكاهة والسخرية، ولا يتمنون أن تنتشر قصص النجاح داخل المجتمع حقدًا وحسدًا وبغضًا منهم.

من الجيد أن يراجع أولئك المشتتون ذهنيًا، والمحتقنون فكريًا، والجافون عاطفيًا، والمتمزقون أسريًا، والفاشلون تربويًا، والخاسرون أخلاقيًا، أنفسهم، وألّا يروّجوا أخبار الفساد أو يسوّقوا لها في صفوف الأسر المحافظة. فالتنابلة كانوا وما يزالون يعانون من جهل فادح وتشرذم واضح وتفتت واضح وتمزق أسري يثير الشفقة وسمعة متدنية وكسل متجذر. بعض الناس قد لا يفهم طبيعة الأسر المستورة والكادحة والمترابطة والمؤمنة والناجحة؛ لأن ثقافة بعض هؤلاء وخلفياتهم وبيئاتهم ومحيطهم وجلساءهم تنحصر في التحريض والكيد لبعضهم ضد بعض وحب قصص الفشل وكره النجاح وأهله. والتنابلة يتناحرون في أوقات سلمهم، فكيف بهم في ذروة خصوماتهم حيث تبرز فنون فجورهم.

تشتد عزائم أفراد العوائل الرصينة والمتماسكة والعريقة بعد كل ابتلاء أو اختبار أو صدمة أو نازلة، ليكونوا في يومهم ذاك أقوى من أمسهم. ولا يلجأ أي منهم إلى التشهير أو التنابز بالألقاب أو تبادل الشتائم أو النشر عبر صفحات وسائل التواصل الاجتماعي أو الشماتة أو الكيد أو الخداع.

ختامًا

هناك حقيقة أساسية يجب فهمها والعمل على ترسيخها داخل البيوت والأسر والمجتمعات المحافظة، وهي وجوب تحصين البيوت بحفظ أسرارها ومعالجة مشكلاتها واختلاف وجهات نظر أفرادها، والسعي لترسيخ الحوارات الهادفة وتفعيل الحلول البناءة ومعالجة الاختناقات الطارئة في أي علاقات أسرية والمبادرة إلى إصلاح ذات البين. في زمن كثر فيه محبو النميمة والفضائح والمقارنات الحاقدة والافتراء ونشر الإشاعات عبر تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، يجب ألّا يهمل أحد توعية أفراد أسرته بآداب الكلام والاحترام واستخدام الأجهزة الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي وحفظ اللسان وحفظ البصر وحفظ السمع وحفظ الإيمان بالله. فإن أرباب أسر وأشخاصًا بلغوا ذروة المكاسب المالية وتقاعدوا وهم في أوج نجاحهم المالي، إلا أنهم انضموا إلى شلل سفيهة، فأهملوا بيوتهم، حتى أضحت كبيوت العنكبوت بعد أن كانت تُعدّ بيوت عز.