الفردانية المتوحشة أزمة إنسانية «9»
الحرية المسؤولة والإرادة الواعية

ما هي المحطة المهمة والحقيقية التي يمكننا من خلالها اكتشاف مدى التمسك بالمنظومة القيمية والأخلاقية؟
الكلام لا يتعلق بتلك الحالة التي تتوافق فيها الأحكام والتصورات مع مصالحنا ورغباتنا، ولكن عند وقوع التعارض والتباين بين الحقيقة والصوابية مع أهوائنا ورغباتنا في الانتصار لأنفسنا؛ فهناك رغبات كثيرة تتطلب استجابة لها، ولكن ما يميز الإنسان القيمي هو توافقها مع المصلحة الذاتية والنوعية لمن هم حوله دون التجاوز على حقوق الغير. فمهما كان ذلك الدافع ملحّاً وقوياً وتتطلع نفسه لتنفيذه والمشي في خطى تحقيقه، إلا أن ذلك لا يمنحه مشروعية أخلاقية متى ما تعارض مع القيم الأخلاقية القائمة على احترام الذات وصيانتها من الوقوع في براثن الانتهازية والنفعية الذاتية. وبناءً على هذا الأساس، فإن الحرية الحقيقية لا تُقاس بعدد الخيارات المتاحة أمام الإنسان وتعددها، بل بقدرته على اختيار ما يستحق حتى عندما يكون الخيار الآخر أكثر إغراءً والرغبة ملحّة لتحقيقه.
وفي وضوح الصورة، فإن الأمر يتعلق بمدى وسعة معرفة الإنسان بنفسه واكتشاف بواطنها والبواعث المحركة لها في ميدان العمل؛ فإن الكثير من الأفعال تنطوي على نهايات وعواقب وخيمة يترفّع فيها الفرد عن إقحام نفسه فيها. وكلما اتسعت معرفة الإنسان بنفسه وأصبح أكثر وعياً بعواقب أفعاله، ازدادت قدرته على ممارسة حرية مسؤولة ومنضبطة تحت مجهرية الضمير الأخلاقي، الذي يحفظ كرامة الفرد وحقوقه في طموحاته من جهة، ومن جهة أخرى يحافظ على حقوق الآخرين اجتماعياً وأخلاقياً بما يصب في ميزان العدالة والرحمة والتكافل الاجتماعي؛ فما يحركه ليست هي الرغبة لوحدها مهما كانت مآلاتها ونتائجها ولو على حساب حقوق الآخرين، بل يجعل من الحق والصوابية ومرئيات الوازع الأخلاقي تقويماً ومعياراً لحقانية تلك الرغبة من عدمها.
وهنا نصل إلى بيت القصيد - كما يُقال - فيما يتعلق بمسألة إرادة الإنسان والمرتبة التي تكون عليها من الفاعلية والإثمار؛ فإن أرقى مراتب الإرادة أن يمتلك الإنسان القدرة على الفعل مع النظر إلى النتائج المترتبة عليه والإحجام عن الإقدام على خطوة تكون آثارها سيئة، فيمتلك الحكمة والبصيرة اللتين تجعلانه يعرف متى يفعل ومتى يمتنع بحسب ما يتراءى له من آثار، فيكون على معرفة تامة بأسباب اختياره لهذا الطريق أو هذا الاحتمال دون غيره. فالإنسان لا يبلغ كمال حريته حين يستطيع أن يفعل كل ما يريد بأي نحو أو تأثير كان، وإنما حين لا يعود أسيراً لكل ما يريد فيستجيب له كسير الأعمى المتخبّط؛ لأن الإرادة التي لا يحكمها العقل الواعي قد تتحول إلى أداة للاستعباد والأسر للحاجة والرغبة الملحّة، أما الإرادة التي تستنير بالحق والنظر الناضج فإنها تصبح طريقاً إلى التحرر الحقيقي.












