آخر تحديث: 19 / 10 / 2026م - 2:54 م

مهدي العيسى.. موهبة واعدة تحطم الأرقام القياسية، وأب يصنع الفرق خلف خط النجاح

سجاد الجشي


خلال زيارتي في عطلة نهاية الأسبوع لمتابعة منافسات بطولة المجرى القصير للسباحة، المقامة في مسبح الأمير عبدالله بن جلوي بمحافظة الأحساء، استوقفني إنجاز لافت حققه أحد أبطال نادي الصفا، السباح الواعد مهدي العيسى، نجل المدرب علي العيسى، بعد نجاحه في تحطيم رقم قياسي جديد في سباقي 50 و 100 متر ظهر، ضمن فئة 9-10 سنوات؛ في إنجاز يعكس موهبته المبكرة، ويبشّر بمستقبل واعد في رياضة السباحة.

لكن ما لفت انتباهي لم يكن الرقم القياسي وحده، بل المشهد الإنساني والتربوي الذي أحاط بهذا الإنجاز؛ فقد كان حضور والده، المدرب علي العيسى، وتفاعله الحماسي مع مجريات السباق، صورة جميلة تجسد معنى الدعم الأسري الحقيقي، وتؤكد أن صناعة الأبطال لا تبدأ من داخل المسبح فحسب، بل تنطلق أيضًا من أسرة تؤمن بالموهبة، وتمنح أبناءها الثقة والتحفيز لمواصلة طريق التميز.

إن تشجيع الأب لابنه ومشاركته لحظات التحدي والنجاح يتركان أثرًا عميقًا في نفسه؛ فهما يعززان ثقته بقدراته، ويغذيان لديه روح الإصرار والمثابرة، ويمنحانه دافعًا إضافيًا لتطوير مستواه وتحقيق الأفضل. فالطفل الذي يشعر بأن هناك من يؤمن به ويقف إلى جانبه، يجد في ذلك قوة تدفعه إلى تجاوز الصعوبات ومواصلة السعي نحو أهدافه.

ومن هنا تتجلى أهمية الأسرة بوصفها شريكًا أساسيًا في بناء الرياضيين الناشئين؛ فالموهبة تحتاج إلى التدريب والصقل، لكنها تحتاج كذلك إلى الاحتواء والتحفيز والتشجيع المتوازن. ومن خلال هذا الدعم، يترسخ حب الرياضة في نفوس الأبناء، وتنمو لديهم قيم الانضباط والالتزام والمثابرة، وهي قيم لا تقتصر آثارها على المنافسات الرياضية، بل تمتد لتسهم في بناء الشخصية وصناعة المستقبل.

ولم يتوقف جمال المشهد عند علاقة الأب بابنه، بل امتد إلى زملاء مهدي من لاعبي الفريق، الذين أظهروا حماسًا لافتًا وفرحة صادقة بإنجازه، وكأن الرقم القياسي الذي تحقق كان إنجازًا جماعيًا يخصهم جميعًا. لقد عكست تلك اللحظات العفوية روحًا رياضية أصيلة، وأكدت أن فرحة النجاح تصبح أجمل حين يتشاركها الجميع، وأن الإنجاز الفردي يمكن أن يتحول إلى مصدر فخر للفريق بأكمله.

إن غرس روح الفريق الواحد في نفوس الناشئين منذ سنواتهم الأولى يمثل استثمارًا تربويًا مهمًا؛ فهم يتعلمون أن الرياضة ليست سباقًا نحو التفوق الفردي فحسب، بل مساحة للتعاون والتآزر والاحتفاء بنجاحات الآخرين. وحين تنمو هذه القيم معهم، يصبحون أكثر قدرة على بناء فرق متماسكة، يسودها الاحترام المتبادل، ويجمع أفرادها الإيمان بالهدف المشترك.

فالرياضة، في جوهرها، أكبر من أرقام قياسية وميداليات ومنصات تتويج؛ إنها مدرسة تُبنى فيها الشخصيات، وتُصقل فيها القيم، ويتعلم من خلالها الأبناء معنى الالتزام والتعاون، وكيفية التعامل مع الفوز والخسارة بروح رياضية. وما أجمل أن تتجسد هذه المعاني في مشهد يجمع أبًا يدعم ابنه بكل حب، وزملاء يفرحون لنجاح أحدهم بصدق، في صورة تختصر كثيرًا من المعاني التربوية التي تسعى الرياضة إلى ترسيخها.

إن ما حققه مهدي العيسى يستحق الإشادة والتهنئة، كما أن المشهد الذي جمعه بوالده، وفرحة زملائه بإنجازه، يستحقان التوقف والتأمل؛ لأنهما يذكراننا بأن خلف كل بطل حكاية، وخلف كثير من الإنجازات أشخاصًا يؤمنون بالحلم، ويمنحون أصحابَه القوة لمواصلة السعي نحوه. فالأب الداعم، والمدرب المخلص، والزميل المشجع، جميعهم شركاء في صناعة النجاح، وإن اختلفت أدوارهم.

مبارك للبطل الواعد مهدي العيسى هذا الإنجاز والرقم القياسي الجديد، ومبارك لنادي الصفا هذه الموهبة التي تستحق الرعاية والاهتمام، وللمدرب علي العيسى الذي يقدم صورة جميلة للتكامل بين الدور الرياضي والدعم الأبوي. والتحية موصولة لزملاء مهدي الذين جسدوا بروحهم الجميلة معنى الفريق الواحد، وأثبتوا أن النجاح لا تكتمل فرحته إلا حين نتقاسمه مع الآخرين.

وفي الختام، قد توثق الأرقام القياسية الإنجازات، وقد تزين الميداليات منصات التتويج، لكن الإيمان بالموهبة، والدعم الأسري، والتشجيع الصادق، وروح الفريق الواحد، تظل جميعها ركائز أساسية تمهد الطريق نحو إنجازات أكبر.

ولعل مهدي، بما أظهره من موهبة واعدة، يجد في هذه البيئة الداعمة ما يعينه على مواصلة التطور وتحقيق طموحاته، ليكون يومًا من أبطال السباحة الذين يرفعون اسم وطنهم عاليًا في المحافل الرياضية.

فصناعة الأبطال لا تبدأ من منصة التتويج، بل من قلب يؤمن بهم، ويد تمتد لدعمهم، وفريق يفرح لنجاحهم.