آخر تحديث: 18 / 10 / 2026م - 1:32 م

كيف تعوّض انحسار نقاط قوتك المهنية؟

المهندس أمير الصالح *


تمهيد

لغات البرمجة في ثمانينات القرن الماضي، مثل لغة فورتران «Fortran»، كانت مواد منهجية معتمدة وتُدرّس في معظم الجامعات المرموقة، وإحداها جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، التي تخرجت فيها بكل فخر واعتزاز. وكانت صعوبة إتقان لغة البرمجة سببًا رئيسًا من أسباب تغيير بعض الطلاب تخصصهم أو جامعتهم أو حتى مسارهم المهني. لاحقًا، ظهرت عدة لغات للبرمجة، ومنها لغة سويفت «Swift» التابعة لشركة أبل، ولغة C++، ولغة بايثون «Python». مع بروز تطبيقات الذكاء الاصطناعي، أضحى جميع المبرمجين باللغات السابقة واللاحقة على المحك، حتى يمكننا التساؤل بشكل جوهري: «ماذا تفعل عندما تتبخر نقاط قوتك في المجال المعني «البرمجة»؟»

الحوار

أعلن خبير تقنيات عربي في مقالة مطولة وصادمة بهزيمته أمام الذكاء الاصطناعي في مجال البرمجيات، وقال بصراحة: «مهاراتي في البرمجة لا قيمة لها الآن، بعد أكثر من 40 سنة من علوم البرمجة». ثم سرد قصته مع البرمجة منذ عام 1986 م، مستذكرًا نسيانه فاصلة في برمجة Atari ST, مرورًا بفوزه بعدة جوائز عالمية في قارات متعددة، وحتى بلوغه ذروة تأسيس شركات متخصصة في البرمجة وتطوير تطبيقات حاسوبية لصالح شركات متعددة، وانتهاءً بمشاهدته لأفق عالم البرمجة الذي أصبحت فيه البرمجة شربة ماء، إلى أن وصل إلى اليوم الذي توقف فيه عن كتابة سطر واحد في البرمجة بسبب بروز الذكاء الاصطناعي وتفوقه!

وأقرّ المبرمج العربي العالمي قائلًا ما نصه: «تخيلوا! بعد كل تلك السنوات، وبعد الجوائز العالمية، وبعد تأسيس عدة شركات وتطوير برامج لمؤسسات كبيرة، أصبحت أشعر اليوم أنني غبي أمام قدراته. أنا فعلا مصدوم من قدرة الذكاء الاصطناعي على القيام بأشياء لم أحلم أبدًا بالقيام بها».

لكن القصة بالنسبة إليه لم تنتهِ هنا. فالمبرمج يتحدث عن قوة المنطق ومهارة التحليل التي لم تتمكن خوارزميات الذكاء الاصطناعي منها بعد، ولكنه توقع خلال الأشهر القادمة تفوّق الذكاء الاصطناعي فيها على أهل الخبرة!

شخصيًا، أرى فرقًا بين من يصنع التقنية ومن يستهلكها، كالفرق بين من يصنع التاريخ ومن يكتبه. تخيّل أن جميع البرامج الإلكترونية التشغيلية تُحال بعد فترة إلى التقاعد من قبل الشركات المصنعة لها بسبب إحلال الذكاء الاصطناعي محلها، فما مصير تلك الشركات المالكة للأجهزة والحواسيب والمصانع ومراكز توزيع الطاقة وإدارة المستودعات وغيرها؟

ديناميكية المعرفة وصناعتها آخذتان في التغيّر بشكل متسارع جدًا، لا سيما في المجال التقني والإلكتروني.

يرى كثيرون أن المجتمعات الحية تعيد قراءة المشهد بناءً على معطيات اليوم لا الأمس، مع تعزيز عناصر القوة والتفوق والاستقلال وبناء الموارد المحلية بدل التفرج أو الركون لما يصنعه الآخرون أو الانكفاء على الذات أو تغذية النرجسية أو تضخيم الذات أو تدعيم فكرة العنصر النقي في جنبات المجتمع أو الاعتماد على الثروة المالية فقط.

مراكز البحوث

شخصيًا، أُثري اطلاعي في مجالات المعرفة والعلم وتوجهات القوى المؤثرة عالميًا عبر تصفح أحدث البحوث والدراسات والنقاشات العلمية التي تُعلن عنها بعض الجامعات العالمية الرصينة والقوية لاستشراف توجهات صُنّاع السوق وصُنّاع العلوم والاقتصاد الجديد ومجالات دعم الأبحاث من قبل الشركات العالمية. حتى إنني ذُهلت بعد لقائي الخاطف بطالب من شرق آسيا بأنه يُجري بحثًا لنيل درجة الدكتوراه في مجال هندسة الحمض النووي «DNA» في جامعة غربية، كما التقيت أيضًا بمحاضِرة من الشرق الأوسط في جامعة أجنبية متخصصة في مجال تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم وطرق تقليص تكاليف التعليم!

البحوث ترسم ملامح توجهات سوق العمل

يتجه كثير من خريجي الثانوية إلى تخصصات بناءً على تأثير الأصدقاء أو إلحاح الآباء أو اختيار الأسهل، ثم يندمون لاحقًا لتعثرهم في الحصول على وظيفة ذات دخل جيد جدًا في سوق العمل.

مهنة باليد أمان من الفقر

ردّد الآباء والأجداد نصيحة جوهرية ومهمة، ومفادها ضرورة إتقان مهن حرة تكون رافدًا اقتصاديًا للإنسان الباحث عن حفظ كرامته المالية، إلى جانب اهتمامه بالتحصيل التقني والأكاديمي. شخصيًا، شاهدت في أمريكا الشمالية الفاحشة الثراء عددًا ليس بالقليل من خريجي جامعات مرموقة من العرب وغير العرب، وبسبب صدمات التقلبات الاقتصادية وموجات انكماش سوق العمل أو الانتظار الطويل جدًا للحصول على وظيفة مرموقة تتناسب مع شهاداتهم العلمية، شاهدتهم يفتتحون مطاعم ومحلات حلويات، أو يعملون في إدارة العقارات، ومخابز وشركات تنظيف ومقاولات عامة وشركات صيانة منزلية ومحلات تجارية، أو يحصلون على حقوق امتياز لمطاعم وغيرها. اللافت أن أغلب أولئك المهنيين يجنون أرباحًا تعادل أضعاف ما يجنيه الموظف الأكاديمي، لا سيما في قطاعات بيع العقارات والسباكة والكهرباء المنزلية.