آخر تحديث: 18 / 10 / 2026م - 1:32 م

قصة كوميدية بطعم الحمية «10»

أبو علي... والنقرس الذي جاء بلا موعد!

رضي منصور العسيف *


مرَّت أيام...

وأبو علي يشعر بأنه بدأ يستعيد شيئًا من نشاطه.

أصبح أكثر هدوءًا مع الطعام، وأقل اندفاعًا في إعلان الحروب على النشويات.

فبعد معاركه الطويلة مع الخبز والأرز، وبعد تلك الهدنة التي كادت تفسدها وليمة الزواج، بدأ يقتنع بأن الطعام لا يحتاج إلى ساحة قتال، بل إلى شيء من الحكمة والاعتدال.

وكان يحدث نفسه كل صباح:

— هذه المرة... سأنتصر بالعقل، لا بالمجازفة!

لكن الحياة، فيما يبدو، كانت تُخبئ له مفاجأةً جديدة...

مفاجأة لم تكن في المطبخ هذه المرة!

- - -

المتهم الأول... الحذاء!

استيقظ أبو علي ذات صباح...

وما إن وضع قدمه على الأرض حتى صرخ:

— آآآه!

رفع قدمه بسرعة، وجلس على طرف السرير

نظر إلى إصبع قدمه الكبير، فوجده متورمًا، شديد الاحمرار، وكأنه يرفع راية احتجاج حمراء!

دخلت أم علي مسرعة، وقالت بقلق:

— خير يا أبا علي... ماذا حدث؟

قال وهو يعبس من شدة الألم:

— لا أدري... لكن يبدو أن هذا الحذاء قرر الانتقام مني!

نظرت أم علي إلى الحذاء الموضوع بجانب السرير، ثم قالت مستغربة:

— وكيف انتقم منك وهو ما زال في مكانه، ولم تلبسه بعد؟!

قال بثقة من اكتشف الحقيقة:

— لا بد أنه ضاق عليَّ بالأمس، فضغط على إصبعي، وها هو اليوم يدفعني ثمن ذلك!

هزت أم علي رأسها وقالت وهي تحاول كتمان ضحكتها:

— والله إنك أول إنسان يؤلمه الحذاء وهو نائم!

لكن أبا علي لم يقتنع ببراءة الحذاء.

قرر أن يختبر نظريته بنفسه.

أحضر حذاءً آخر...

لبسه بحذر...

ومشى خطوتين...

ثم صاح مرة أخرى:

— آآآه... ليس هذا أيضًا!

جلس متألمًا، ونظر إلى الأحذية المصطفة أمامه وقال:

— يبدو أنكم اجتمعتم عليَّ... وأعلنتم الإضراب جميعًا!

ضحكت أم علي وقالت:

— بدل أن تفتح تحقيقًا مع الأحذية، اذهب إلى الطبيب، فهو أقدر على معرفة الحقيقة!

تنهد أبو علي، ونظر إلى إصبعه وقال:

— حسنًا يا صاحبي... يبدو أن قضيتك أكبر من خلاف مع حذاء!

- - -

في عيادة الطبيب... البحث عن المجرم!

بعد قليل...

كان أبو علي يجلس في عيادة الطبيب.

نظر الطبيب إلى إصبعه، وفحصه بعناية، ثم سأله:

— هل بدأ الألم فجأة؟

قال أبو علي:

— فجأة جدًا...

حتى إنني اتهمت الحذاء!

ابتسم الطبيب وقال:

— يبدو أن الحذاء بريء من هذه التهمة.

اتسعت عينا أبي علي وقال:

— بريء؟!

إذن... من المجرم؟!

قال الطبيب وهو يدوّن بعض الملاحظات

— لدينا بعض الاحتمالات، لكن قبل أن نصدر الحكم، نحتاج إلى استكمال الفحص وإجراء بعض التحاليل.

اعتدل أبو علي في جلسته وقال بفضول:

— ومتى تُعقد جلسة النطق بالحكم؟

ابتسم الطبيب وقال:

— سنراجع النتائج بعد نحو ثلاث ساعات. اذهب الآن إلى المختبر لأخذ عينة دم.

وما إن سمع أبو علي عبارة ”عينة دم“ حتى تغيرت ملامحه.

قال مترددًا:

— دم؟!

ألا يوجد حكم غيابي؟!

ألا تكفي صورة الإصبع؟!

ضحك الطبيب وقال:

— لا تقلق يا أبا علي... إنها عينة صغيرة، ولن نسحب منك برميلًا!

تنهد أبو علي وقال:

— الحمد لله... كنت أخشى أن تكون القضية كبيرة إلى هذا الحد!

خرج من العيادة متجهًا إلى المختبر، وقلبه يخفق من القلق، بينما كان إصبعه يواصل احتجاجه!

- - -

ثلاث ساعات... أطول من يوم عمل!

بعد أن أُخذت منه عينة الدم، بدأت رحلة الانتظار.

كانت ثلاث ساعات فقط...

لكنها في نظر أبي علي أطول من يوم عمل كامل!

جلس في صالة الانتظار.

وكلما خرج موظف يحمل ملفًا، رفع رأسه وهو يقول في نفسه:

— هل قبضوا على المتهم؟!

فتح هاتفه...

ثم أغلقه.

شرب كوبًا من الماء...

ثم حاول أن يمشي قليلًا، لكن إصبعه ذكّره سريعًا بأن الحركة ليست فكرة جيدة!

عاد فجلس...

ثم نهض مرة أخرى.

حتى إن موظفة الاستقبال قالت له مبتسمة:

— أستاذ أبو علي... لا تقلق، فالتحاليل تحتاج إلى بعض الوقت.

تنهد وقال:

— أنا لا أقلق من التحليل...

أنا أقلق ممن سيظهر اسمه في التقرير!

- - -

النطق بالحكم... المتهم هو النقرس!

وأخيرًا...

عاد أبو علي إلى الطبيب.

وقبل أن يجلس، قال بلهفة:

— ها يا دكتور...

هل ظهرت النتائج؟

هل عرفتم المجرم؟

ابتسم الطبيب وهو يتصفح التقرير، ثم قال:

— بعد فحص إصبعك ومراجعة النتائج، يبدو أن ما تعاني منه هو نوبة نقرس.

فتح أبو علي عينيه على اتساعهما وقال:

— النقرس؟!

ومن أين جاء هذا؟!

أنا لم أدعه إلى البيت!

ضحك الطبيب وقال:

— هو لا يحتاج إلى دعوة يا أبا علي!

ثم أضاف موضحًا:

— النقرس نوع من التهاب المفاصل، يحدث بسبب ترسّب بلورات حمض اليوريك داخل المفصل، وقد يسبب ألمًا شديدًا وتورمًا واحمرارًا، خصوصًا في إصبع القدم الكبير.

نظر أبو علي إلى إصبعه وقال:

— سبحان الله...

كل هذا الألم بسبب بلورات صغيرة؟!

قال الطبيب:

— نعم، وقد يرتبط النقرس بارتفاع حمض اليوريك، لكن تشخيصه لا يعتمد على تحليل الدم وحده، بل على الأعراض والفحص، وقد نحتاج أحيانًا إلى فحوص إضافية.

ثم سأله:

— أخبرني يا أبا علي... كيف كان نظامك الغذائي في الأسابيع الأخيرة؟

اعتدل أبو علي في جلسته، وبدأ يعد على أصابعه:

— بيض...

ولحم...

ودجاج...

ثم لحم...

وأحيانًا إذا جعت... لحم مرة أخرى!

رفع الطبيب حاجبيه وقال مبتسمًا:

— وأين الخضراوات؟

أجاب أبو علي بثقة:

— كانت تجلس بجوار اللحم!

قال الطبيب:

— والفاكهة؟

حك أبو علي رأسه وقال:

— كنت أمر عليها مرور الكرام!

ابتسم الطبيب، ثم قال:

— يبدو أنك بالغت في الاعتماد على اللحوم، وأهملت التنوع الغذائي.

ثم تابع:

— الإفراط في بعض أنواع اللحوم والأطعمة الغنية بالبيورينات قد يزيد احتمالية نوبات النقرس لدى بعض الأشخاص، لكن الأمر لا يتعلق بالطعام وحده؛ فهناك عوامل أخرى، مثل الوراثة، ووظائف الكلى، والوزن، وبعض الأدوية، وقلة شرب السوائل.

ظل أبو علي صامتًا لحظة...

ثم قال بحسرة:

— يعني...

هربت من الأرز...

فأمسكني النقرس؟!

ضحك الطبيب وقال:

— ليس بهذه البساطة يا أبا علي!

المشكلة ليست في الأرز وحده...

ولا في اللحم وحده...

بل في الاعتقاد أن الحمية الصحية تعني أن نمنع مجموعة غذائية كاملة، ونعتمد على مجموعة أخرى دون توازن.

ثم أضاف:

— جسمك يحتاج إلى غذاء متنوع، وكميات مناسبة، وخطة تراعي حالتك الصحية. وسنبدأ أيضًا علاج النوبة الحالية لتخفيف الألم والالتهاب.

هز أبو علي رأسه وقال:

— يبدو أنني كنت أبحث عن الوزن المثالي... فدخلت في مشكلات لم تكن في الحسبان!

قال الطبيب:

— لهذا من الأفضل أن تخسر وزنك تدريجيًا، وتبتعد عن الحميات القاسية، مع متابعة حالتك الصحية.

ثم فتح ملفه الإلكتروني، وبدأ يكتب.

سأله أبو علي بقلق:

— ماذا تكتب يا دكتور؟

قال:

— سأحوّلك إلى عيادة التغذية العلاجية.

هناك ستساعدك أخصائية التغذية على وضع خطة مناسبة لوزنك وحالتك الصحية، وتعلّمك كيف تختار طعامك دون إفراط أو حرمان.

سكت أبو علي لحظات...

ثم نظر إلى ورقة التحويل التي سلّمها الطبيب.

قرأها مرة...

ثم أعاد قراءتها.

وقال مبتسمًا:

— يا سبحان الله...

بعد كل هذه الحروب مع الطعام...

وبعد مقاطعة الخبز...

والاشتباك مع الأرز...

والاتهامات التي وجهتها إلى الأحذية...

انتهى بي المطاف أحمل تحويلًا إلى عيادة التغذية!

ثم نظر إلى إصبعه المتورم، وربت عليه برفق وقال:

— هيا يا صاحبي...

لنرَ ماذا ستقول لنا أخصائية التغذية هذه المرة.

لعلها تُصالحنا مع الطعام...

بعد كل هذه الخصومات!

ثم نهض بحذر، وأخذ يسير بخطوات بطيئة.

وقبل أن يغادر العيادة، التفت إلى الطبيب وقال:

— دكتور... سؤال أخير!

قال الطبيب:

— تفضل.

قال أبو علي:

— هل أحتاج إلى الاعتذار للحذاء؟

ضحك الطبيب وقال:

— نعم... فقد اتهمته ظلمًا!

ابتسم أبو علي وقال:

— إذن سأعتذر له...

لكن بعد أن أتصالح مع إصبعي أولًا!

وصفة صحية

للوقاية من نوبات النقرس، احرص على الاعتدال في تناول اللحوم، وقلّل من الأحشاء الداخلية والمشروبات المحلّاة بالسكر، واشرب كمية مناسبة من الماء، وحافظ على وزن صحي دون اتباع حميات قاسية أو سريعة؛ وتذكّر أن تعديل الغذاء يساعد في السيطرة على النقرس، لكنه لا يغني عن العلاج الطبي عند الحاجة.

وللقصة بقية...

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف