آخر تحديث: 17 / 10 / 2026م - 4:48 م

مساجد جزيرة تاروت تبتكر كودها الخاص

أمين محمد الصفار *


قبل مدة، دار حديث مع أحد الأصدقاء لإثبات أن الحسينيات في القطيف منعت التدخين فيها - وهو قرار غير شعبي حينها - قبل أن تمنعه الخطوط السعودية على طائراتها بعشر سنوات تقريبًا.

أردت استحضار هذه الحقيقة التي شهدناها وهي ما زالت قريبة زمنيًا من الكثيرين، كي نتلمس بأيدينا حقيقة أن بعض المبادرات الأهلية قد يكون لها قصب السبق حتى على تلك المؤسسات الاحترافية الرائدة والعريقة، مثل المؤسسة العامة للخطوط العربية السعودية التي تعتبر أول مؤسسة طيران خليجية.

اليوم تشهد جزيرة تاروت ظاهرة أستطيع أن أسميها مبادرة أهلية غير مسبوقة، وهي ظاهرة إعادة بناء مساجدها وحسينياتها بطابع البناء التراثي، وكأن هناك كود بناء غير مكتوب خاص ببناء المساجد والحسينيات في جزيرة تاروت ابتكره الأهالي بأنفسهم. فالقادم أو الساكن في جزيرة تاروت يلاحظ أن عددًا من المساجد والحسينيات التي أُعيد بناؤها قد اكتست بالطابع التراثي الجميل، فضلاً عن بعض المجالس والملاحق الخاصة.

هذه المبادرات الجميلة التي لاقت استحسان الأهالي وترحيبهم بها، لا شك أنها تنم عن ذوق رفيع وإحساس بالجمال الذي يمزج المخزون التراثي بالجانب الروحاني، ومثل هذا المزيج تبلور في أحد تجلياته في هذه الصياغة المركبة والمعبرة عن المزاج العام لسكان جزيرة تاروت.

في المملكة، نشاهد في بعض المدن مساجد مبنية بطابع تراثي يمثل البناء التراثي في المدينة، ولكن تظل هذه مبادرات فردية لا تشكل ظاهرة في المدينة، لكن المشروع الأهم على مستوى المملكة هو مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التراثية، الذي يمتد على مستوى المملكة لإعادة بناء المساجد التاريخية وتأهيلها بالنمط التراثي.

في المنطقة الشرقية أقرت هيئة تطوير المنطقة الشرقية النمط المعماري التراثي القطيفي وفرضته في المناطق المصنفة تراثيًا في المحافظة، وهذه خطوة مهمة لكنها لم تشمل المساجد حتى الآن. لا أريد هنا التوسع في تعداد انتشار الطابع التراثي للمباني في محافظة القطيف ككل؛ فقد أصبحنا نرى العديد من المحلات التجارية على مستوى المحافظة، مثل المبنى الأيقونة «بيت العمدة» في مسورة العوامية وكذلك المطاعم والمقاهي التي أصبح الطابع التراثي العنوان الأبرز في مبانيها، وإنما قصدت التركيز فقط على المساجد والحسينيات في جزيرة تاروت.

وبالعودة إلى بناء المساجد والحسينيات في جزيرة تاروت بالطابع المعماري التراثي، وقد انطلقت هذه المبادرة بالخطوة الأولى التي أصبح الجميع يلحظها ويلحظ أثرها الجمالي والتميز الذي تضيفه للمنطقة، نجد أنه من المهم تفاعل مؤسسة التطوير بالجزيرة مع هذه المبادرة، وأن يكون لها دور في دراستها عن قرب، وتشجيع هذه المبادرة عبر تبنيها ودعمها من الجوانب المادية والفنية والإعلامية كي تتحول هذه المبادرة الأهلية إلى عمل مؤسسي يُدرج ضمن الفعاليات المحلية التي تطورها المؤسسة.