آخر تحديث: 16 / 10 / 2026م - 2:54 م

النجاح في مواجهة الحياة والحزن

أنيس آل دهيم *


حين نقف أمام تجربة ناجحة، غالباً ما تشدنا صورتها الأخيرة، كتاب يجد طريقه إلى القراء، أو معرض يستقطب الزوار، أو مشروع تتسع دائرة المستفيدين منه. نرى النتيجة مكتملة، فيما تغيب عن أعيننا أيام التردد، والمحاولات المتعثرة، والظروف التي اضطر أصحابها إلى مواصلة الطريق خلالها. وخلف بعض هذه التجارب حزن عميق، يحمله الإنسان معه إلى عمله، ويعود به إلى بيته، دون أن يراه الآخرون.

فوضوح الغاية، والثقة بالنفس، والانضباط، والتعاون، تكتسب معاني أعمق حين يواجه الإنسان ظرفا يهز استقراره، ويغير نظرته إلى نفسه وإلى المستقبل. عندها قد يصبح إنجاز أمر بسيط جهدا كبيرا، وقد يحتاج الرجوع إلى عمل مألوف شجاعة لم يكن يحتاج إليها من قبل.

تبدأ علاقتنا بالطموح بسؤال: ماذا نريد؟ لكن الحزن قد يعيد صياغة السؤال كله. فما كان يحتل مقدمة اهتماماتنا قد يتراجع، وما كنا نمر به دون انتباه قد يغدو أثمن ما نفتقده، جلسة عائلية، أو حديث قصير، أو رحلة اعتدنا القيام بها مع من نحب. وتكشف لنا الخسارة مقدار ما كانت تمنحه هذه التفاصيل لحياتنا من طمأنينة ومعنى.

ومن خبرة الأب الذي فقد ابنه، أدرك أن المستقبل قد يسكن أشياء صغيرة جدا، حقيبة مدرسية، أو كتابا مفتوحا، أو حديثًا عن حلم لم يكتمل. ثم يجد نفسه أمام أيام تستمر، فيما قلبه ما يزال واقفا عند لحظة الوداع. في هذه الحال، يتغير مقياس القدرة، ويصبح الاستعداد لاستقبال يوم جديد عملا يحتاج إلى صبر.

لهذا، يحتاج الحديث عن النجاح إلى رحمة. فالإنسان الحزين قد يعرف ما ينبغي فعله، لكنه يفتقد الطاقة اللازمة للقيام به. وقد يبدأ يومه قادرا، ثم تعيده ذكرى عابرة إلى ثقل الفقد. ومن الإنصاف أن نمنحه حقه في التفاوت بين يوم وآخر، وأن يسمح هو لنفسه بخطوات تناسب حاله، دون محاكمة قاسية أو مقارنة بما كان عليه قبل حزنه.

وهنا تتخذ الثقة بالنفس صورة هادئة: أن يطمئن الإنسان إلى أن اضطرابه لا يلغي قدرته، وأنه يستطيع طلب المساندة، وأن يعود إلى بعض مسؤولياته بالتدرج. أما الانضباط فيحتاج إلى مرونة، وقت قصير للقراءة، أو مهمة واحدة تنجز، أو موعد يلتزم به حين يستطيع. ومع تكرار هذه الخطوات، قد يستعيد شيئا من انتظام حياته، ويجد مساحة يتحرك فيها إلى جوار حزنه.

ومع ذلك، يظل الإنسان محتاجا إلى غيره. ويكتسب مبدأ «تحالف العقول» بعداً إنسانيا في أوقات الشدة، إذ يحتاج المرء إلى من يساعده في التفكير، وإلى من يخفف عنه بعض المسؤوليات، وإلى من ينصت دون استعجال. فالصديق الذي يتفهم الصمت، والزميل الذي يساند، والأسرة التي تتقاسم أعباء اليوم، يتيحون للحزين فرصة لالتقاط أنفاسه.

وفي العمل المشترك، قد يجد الإنسان سبيلا لاستعادة صلته بالحياة. ففكرة ثقافية أو نشاط تطوعي أو رعاية موهبة ناشئة، يمكن أن تمنحه سببا للخروج من عزلته والمشاركة بما يستطيع. وقد يختار أن يجعل بعض عطائه وفاءً لمن فقده، فيربط اسمه بمعرفة يتعلمها شاب، أو موهبة تجد من يرعاها، أو عمل نافع يرجو له القبول.

وحين أسعى إلى أن يحمل عمل ثقافي اسم ابني، فإنني أرجو أن يجد حبّي له طريقا إلى نفع الآخرين. يبقى الشوق حاضرا، وتبقى للغياب وطأته، لكن لقاء الشباب، والإنصات إلى أفكارهم، ومساعدتهم على التعبير، يفتح أمامي مساحة للعطاء. وفي كل موهبة تنمو ما يذكّرني بقيمة الرعاية التي يحتاج إليها أبناؤنا وهم يشقون طريقهم.

غير أن هذا الاختيار يظل شخصيا، فلكل إنسان طريقته ووقته في التعامل مع الفقد. وقد يكون أقصى ما يستطيعه أحدهم في مرحلة ما هو المحافظة على نفسه وأسرته. ولهذا ينبغي أن تظل مبادرات الوفاء بابا متاحا، وأن يتسع احترامنا أيضا لمن يعيش حزنه في هدوء، بعيدا عن الأنشطة والمشروعات.

وتحتاج قراءة مبادئ النجاح كذلك إلى التمييز بين التعثر المهني والفقد الإنساني. فالمشروع الذي لم ينجح يمكن مراجعة خطته، وتغيير وسائله، وإعادة المحاولة فيه. أما فقد العزيز فله حرمة ومعنى مختلفان، ولا يصح إدخاله في حسابات الإنجاز والإخفاق. وما قد ينشأ بعده من عطاء يرتبط باختيار الإنسان وقيمه ومساندة من حوله، ويظل الألم جديرا بالتعاطف مهما كانت النتائج.

وفي هذا الموضع، يسند الإيمان القلب، فيمنحه الدعاء لغة حين تضيق الكلمات، ويمنحه الرجاء قدرة على احتمال ما يعجز عن فهمه. ويجتمع في نفس المؤمن الحزن والتسليم، كما يجتمع الشوق والرضا. فالدمعة تحمل المحبة، والصبر جهد يتجدد في أيام قد يكون بعضها أثقل من بعض.

وحين ننظر إلى النجاح بهذه السعة، ننتبه إلى إنجازات تمر دون احتفاء، أب يحافظ على دفء أسرته رغم انكساره، وإنسان يعود إلى مسؤولياته على مهل، وصديق يبقى قريبا ممن أثقله الحزن. هذه الأفعال تحفظ للحياة تماسكها، وتكشف قيمة التعاون والرحمة إلى جوار الطموح والانضباط.

قد تتغير أهدافنا بعد الحزن، وقد نحتاج إلى وقت طويل لنعرف ما نريد. وخلال ذلك يبقى في مقدورنا أن نرفق بأنفسنا، ونقبل المساندة، ونعطي حين نستطيع. ومع كل خطوة، نحمل محبة من غابوا معنا، ونحاول أن نصون بها شيئا من الخير في حياة من بقوا.