الحِذاء والمقام

في دول المشرق العربي والمغرب العربي، كان وما زال الكرم والسخاء والذود عن المحتاجين والدفاع عن المظلومين والتكفل بالأيتام ورعاية الأرامل رموزًا تعبّر عن المكانة والوجاهة، وتجسّد صنائع الخير وآثار المجد وعمق الروح الإنسانية لدى ذلك الشخص. في الخليج العربي، الذي أنتمي إليه قلبًا وقالبًا، وبعد الطفرات الاقتصادية، برز عدد من أصحاب الثروات على شكل موجات شبه متباعدة، فتآكلت رمزية المقام الرفيع لدى بعض ذوي الأصول الأسرية العريقة، وظهرت رموز المكانة والمقام في تجليات ومظاهر جديدة، متغيرة بتغير الزمان والمكان.
مع كل طفرة اقتصادية، يبرز أناس ويتوارى آخرون، فأضحت سعة المنزل «الفيلا أو القصر»، لفترة من الزمن، وما زالت، رمزًا للمقام الرفيع. ثم برزت السيارة من الطراز المميز والسعر المرتفع رمزًا للمقام الرفيع، ولاحقًا أضحى المنصب الوظيفي المميز رمزًا للمقام، ثم الثراء والرصيد البنكي، ثم علاقات بعض الأفراد بأصحاب النفوذ، وهكذا دواليك.
في بعض الدول الغربية المعاصرة، يقيّمون مكانة الرجل أو المرأة مبدئيًا من خلال الملبس، ولا سيما الحذاء، ثم بقية الملابس. حتى إنني أحصيت 19 نوعًا من الأحذية والصنادل، بدءًا من «slingback» و«mule»، مرورًا ب«jelly shoes» و«trainers»، وانتهاءً ب«cowboy boot» و«walking boots».
في أدبيات بعض الدول، يتكوّن الانطباع عن الرجل أو المرأة من خلال أحذيتهم. حتى ورد في بعض الأدبيات أن الرجل الذي يرتدي حذاءً مميزًا وباهظ الثمن يُنظر إليه على أنه يمتلك فائضًا من المال يغدقه على من حوله أو من يقصدونه، دون اكتراث أو مراجعة «have money to splash around». وأن مرتدي الحذاء الممزق والمهترئ شخص يُظن أنه فقير، وقد يحتاج إلى من يتصدق عليه ويستر فقره.
عند قراءة مثل هذه الأمور والأساليب المتبعة في صناعة الاستهلاك، أقدّر شخصيًا ذوق النساء والرجال في الأناقة والتأنق. وأضحى من الأمور المعتادة ترديد مقولة: «الانطباع الأول عنك أهم انطباع تتركه لدى غيرك». ولذا تحرص معظم النساء على التأنق عند حضورهن أي مناسبة للنساء، وكذلك يحرص بعض الرجال على التأنق. والحقيقة أن «نصف المال نظرة»، ولذا أشيد بالاهتمام والعناية بالمظهر الخارجي والداخلي على حد سواء لدى كل فرد من أفراد المجتمع، من خلال اللباس النظيف والمرتب والرائحة الزكية والهندام المقبول.
في رواية منسوبة إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب
، أن رجلًا من غير المسلمين اقترب من الإمام الحسن
وخاطبه وقال له: أنتم تقولون إن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والحال أنك تلبس ملابس أفضل من ملابسنا، وتأكل طعامًا أفضل من طعامنا، فكيف يستقيم ذلك الأمر؟
فرد عليه الإمام
: نحن نستخدم الدنيا، ولو اطّلعت على ما وعدنا الله به في الجنة، لرأيت أننا في سجن وأنت في جنة. فسكت الرجل وانصرف.
مع شديد الأسف، يخلط بعض أبناء المجتمع بين مفهوم الزهد والفقر، بل إنهم يقرنون الزهد والزاهد بأن يعيش عيشة الفقراء المعدمين، حتى لو كان يمتلك ملايين الريالات! بل إن بعضهم في لبسه وسكنه بلغ حدّ الفقر، ظنًا منه أنه بذلك يعيش عيشة الزهّاد!
وفي المقابل، هناك من خلط بين مفهوم استخدام الدنيا، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: 11]، والسفاهة. فأخذ بعضهم يبدّد أمواله بغير وجه حق، ويوثق ذلك عبر التصوير والنشر، حتى أطمع الآخرين في ماله بسبب سفاهته!
والمساهمة في الأوقاف الأهلية الخيريةآثار الأقدام، لا الأحذية، لم تُدوَّن وتُحفظ في مختلف الحضارات كما حفظها أهل الإسلام على مر العصور؛ حتى إن آثار قدمي نبي الله إبراهيم، المعروفة بمقام إبراهيم، بالقرب من الكعبة المشرفة في مكة المكرمة، أضحت وما زالت رمزًا تعبديًا مقدسًا، وورد ذكرها في القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125].
والسؤال لمن يود أن يحفظ أثره عبر أزمنة قادمة وآفاق واسعة: هل تدبّرت أي أعمال بر، من أوقاف أهلية وتبرعات عينية ومشاريع خيرية، تود أن تنفق عليها كما أنفقت على الولائم والعزائم السخية، والسيارات الكشخة، والملابس المميزة، والهدايا الفاخرة والأحذية الراقية؟
فمقامك ومقامي ومقام الناس عند الله يُقاس بالعمل، لا كما يقيسه بعض البشر بالجِزم.
س 1: هل تعتقد أن الرجل والمرأة لديهما الدرجة نفسها من الاهتمام بالتفاصيل عند اختيار ملابس جديدة أو حذاء جديد؟
س 2: هل أنت ممن يقيّم شخصية الرجل «character» بناءً على ملبسه من أحذية وملابس، أم لا؟
س 3: هل تعتقد أن كل الذين يصورون وينشرون على وسائل التواصل الاجتماعي ما ينفقونه على الولائم والسفرات والهدايا، يبذلون أموالًا أكثر للمحتاجين الذين يقصدونهم، ويساهمون بقدر أكبر في الأوقاف الخيرية، وينفقون في السر أكثر مما ينفقون في العلن؟
شاركنا إجاباتك إن أحببت، ولك التحية.













