آخر تحديث: 14 / 10 / 2026م - 2:29 م

المواد القصيرة ونشوة الإنجاز

يوسف أحمد الحسن * مجلة اليمامة

من أهم إيجابيات قراءة المواد القصيرة أن قارئها يتملكه شعور بإنجاز أمر ما حتى نهايته، بخلاف قراءة المواد المطولة التي تتطلب أوقاتًا أطول بكثير. ونقصد هنا بالمواد القصيرة مجموعات القصص القصيرة، والقصص القصيرة جدًّا «ق ق ج»، والروايات القصيرة «تسمى نوفيلا»، والمقالات القصيرة والقصيرة جدًّا «م ق ج»، وأي كتب ذات صفحات قليلة.

ففي هذا الزمن الذي تتنوع فيه خيارات تمضية الوقت من ألعاب وتسالٍ ومشاهدة مقاطع فيديو قصيرة، وغيرها من الأمور التي تَسْهُل مطالعتها دون جهد كبير، وتتزاحم فيه الإشعارات الرقمية؛ تصبح قراءة المواد القصيرة بديلًا مناسبًا يمكنه المنافسة، خاصة أن مجرد مشاهدة كتاب أو رواية بحجم كبير هو وحده - لدى البعض - مما يشعر بالرهبة من صعوبة المهمة ووعورة الطريق، كمن يرى أمامه جبلًا شاهقًا عليه صعوده، في حين يغدو الكتاب قليل الصفحات أو المقال القصير أو القصة القصيرة سهل المنال كتَلٍّ صغير سهل التسلق، مع شعور بنشوة الإنجاز يغذيه الدوبامين الذي يفرزه الجسم مكافأةً سريعة على ما تحقق من إنجاز.

فليس بالحجم وحده يقاس الإنجاز، ولا بالضربة القاضية المتحققة من كتاب بمئات الصفحات، بل يمكن أن يكون بالنقاط المتجمعة من إنجازات صغيرة متراكمة ونقاط تُجمَع بمرور الوقت من قراءة مواد قصيرة ومتعددة.

ليست دعوة للتوجه السطحي نحو القراءة، بل هي مفاضلة بينها وبين تصفح سطحي لوسائل التواصل أو إدمان على مشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة التي لا تقتل الوقت فحسب بل تصيب مشاهديها بما يسمى «تعفن الدماغ». ولو خُيرنا بين أن يقرأ شاب مادةً دسمة، كأن تكون من أمهات الكتب، ومادةً قصيرة، مع الاستمرار في قراءة الأولى، فإننا لن نعدو الأولى أبدًا، لكن المشكلة تكمن حين ينفر من هذا الخيار نحو ما هو سطحي من توافه وسائل التواصل.

والجميل في قراءة المواد القصيرة أنه مع شعور القارئ بالإنجاز فإن ذلك قد يدفعه نحو إنجاز آخر شبيه وربما أكثر عمقًا، فضلًا عن إيجابية التنوع؛ حين يقرأ اليوم في الأدب وغدًا في العلوم والصحة، وبعده في التاريخ والدين، وربما في الفكر والفلسفة؛ تمامًا كمن يتناول وجبة مما يسمى «بوفيه مفتوح» مقابل من يقرأ في حقل واحد «كمن يتناول وجبة من نوع واحد» لن يشعر بإنجاز معه إلا بعد مدة طويلة، وربما تركه وترك القراءة إلى الأبد، إن كان اختياره للمادة سيئًا، أو أنه قضى أيامًا طويلة في القراءة ثم اكتشف خطأ الاختيار. فهي إذن كالمفاضلة بين ضربة قاضية واحدة «قد لا تأتي»، وفوز بالنقاط من انتصارات سريعة ومتكررة.

وربما كان الخيار الأفضل لأغلب الناس «إن تمكنوا» هو الجمع بين التوجهين «قراءة مركزة لمواد مطولة، وقراءات متنوعة وقصيرة» قدر الإمكان، خاصة من لم يصل منهم إلى مستوى لياقة القراءة.

وختامًا فإن مما قد يغذي استدامة القراءة الكتابة عن إنجازات القراءة لمواد، قصيرة كانت أو طويلة، في المدونات الشخصية أو المناسب من وسائل التواصل الاجتماعي.