آخر تحديث: 13 / 10 / 2026م - 5:25 م

الفردانية المتوحشة أزمة إنسانية «8»

الإرادة بين عمى الرغبة وبصيرة العقل


هل ترتبط حرية الإنسان وإنسانيته والقدرة على إثبات وجوده وتحقيق غاياته وطموحاته بمجرد امتلاك الإرادة في توجيه نفسه نحو اتجاه أو فعل معين؟

الحقيقة أنه لا تكتمل إنسانية الإنسان بمجرد امتلاكه الإرادة، بل تتجلى حقيقتها في الكيفية التي يوجّه بها هذه الإرادة، والميدان المناسب لتفعيلها وبيان آثارها، والغاية التي يسعى إلى تحقيقها من خلالها. فاختياراته وقراراته لا ترتبط بالضرورة بمستوى عالٍ من النضج والإدراك والحنكة، وهذا ما يسلط الضوء على تقييم اختيارات الفرد وتموضعها في كفة النضج أو الضحالة والسذاجة وما بينهما. كما أن رغباته تبقى في حيز الإمكان والخروج من دائرة القوة والاقتدار إلى الفعل الخارجي، وهذا يتوقف على مكانتها وحجم تأثيرها في مسار حياته؛ فهناك من الرغبات ما لا يستحق التحرك نحوها، وهذا ما يحكم به العقل الواعي ويعطي إشارة لصاحبه بالإحجام عنها.

ولتحديد الموقف؛ فإن إرادة الإنسان - مع ما لها من دور كبير ومؤثر في حياته وبناء مستقبله - تمنحه القدرة على الاختيار وتحديد المسار، لكن الوعي والرشد يمنحه القدرة على التدقيق والتمييز بين ما يشتهيه وما ينبغي له أن يختاره بحسب الآثار والنتائج المترتبة عليه. وهكذا يتبين أن الإرادة هي الخطوة الأولى في النظر للأمور، ويتلوها بعد ذلك النظر والتأمل الفكري في مكانته.

وهنا تتحدد المسافة بين:

الإنسان الذي تقوده رغباته في أي طريق واتجاه ولو كان في ذلك هلاكه وحتفه وخسرانه.

والآخر الذي يقود رغباته وفق بصيرة أخلاقية وإنسانية واعية، يتحرك من خلالها وفق ما يراه من خير وصلاح.

فحرية الإنسان لا تعني الانفلات من النظم والقيود التي تحفظ حقوقه وحقوق غيره، وإنما هي التحرر من القيود الداخلية التي تستعبده وتبقيه في دائرة الاختيارات الخاطئة؛ كما هو بالنسبة للشهوة العابرة التي تنجلي بعدها الغبرة ويتلوها الندم بعد أن تتبين الآثار الوخيمة لها، أو الاختيار الناجم عن موجة غضب أعمى يتحرك خلالها في وسط دخان لا يرى فيه شيئاً، أو أن يكون ذلك الاختيار واقعاً تحت رغبة ملحة من الانتقام والتشفي، أو تكون حاجة مرضية لرغبات الآخرين دون أن تضيف مكتسباً إيجابياً لأحد.

وقد يظن الإنسان أنه حر في اختياره حين يستجيب لكل ما يطلبه منه مزاجه دون أن يمر على العقل الواعي لينظر في جدواه، وهذه الأمثلة توضح لنا أن الإرادة والتحرك نحو خطوة معينة شيء، والاختيار وجدواه شيء آخر؛ فقد يكون - في الحقيقة - أسيراً لدوافع لا يملك القدرة على مقاومتها والإحجام عنها. فالاستجابة التلقائية للرغبة ليست دائماً اختياراً واعياً، بل قد تكون صورة خفية من صور العمى العقلي وفقدان ضبط النفس والسيطرة عليها.

وهنا تبرز القيمة العالية لضبط النفس والوعي العقلي أمام فكرة أو خطوة لا يجني منها إلا الخيبة وعقم النتائج؛ ولا يعني ذلك قمع الذات أو معاداتها، بل هو ممارسة ممنهجة وعقلانية للسيطرة الداخلية، والتي تجعل الإنسان قادراً على تأجيل اللذة ومراجعة الدافع ورفض ما يتعارض مع الإيجابية الحقة.